بفعل فاعل : حين تتحوّل المدرسة المغربية إلى ساحة تجريب لفكر مشبوه ما بين “الجندر” و “النسوية” أطفالنا في خطر !!! 

الجريدة العربية – بوحافة العرابي *

* باحث أكاديمي في مجال الصحافة والإعلام الإجتماعي و السياسي، وكاتب صحفي مقيم بأوروبا، يشغل منصب رئيس هيئة التحرير و النشر بالجريدة العربية .

منذ عقود، كانت المدرسة المغربية حصنًا منيعًا للقيم، ومشتلاً لتنشئة أجيال متمسكة بهويتها، ورافعةً للترقي الاجتماعي عبر بوابة العلم والجد والاجتهاد. لكنها اليوم، وبفعل أجندات دخيلة مستوردة في عباءات لغوية أنيقة، تُستعمل كحقول اختبار لمفاهيم هجينة تُفرض على المجتمع من فوق، بدعوى “الحداثة” و “المساواة” و”تفكيك الجندر”.

إن الدراسة الأخيرة التي أنجزتها الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب تحت شعار «من أجل مدرسة للمساواة»، ليست بريئة لا في توقيتها ولا في خلفيتها ولا في أهدافها. فبدل أن تنصب جهود الباحثين على معالجة التحديات الحقيقية التي تواجه المدرسة المغربية، من اكتظاظ وهدر مدرسي وتدني في جودة التعليم، نُفاجأ بتقارير تتحدث عن “هيمنة الذكورة” و”بنية جندرية غير متوازنة” و”مناهج تعزز الصورة النمطية للأنثى”!

إن الدارس الموضوعي لواقع المدرسة المغربية لا يمكنه أن يتعامى عن حقيقة واضحة، فالمدرسة تعاني من التفاوت الطبقي، ومن الفقر، من البنيات المهترئة، من قلة الموارد البشرية، من خصاص في التأطير والتجهيز. فكيف يمكن أن نقنع تلميذةً في قرية نائية لا تملك حذاءً ولا كراسٍ بالحديث عن “أثر الصور النمطية في المقررات” و”التمثلات الجندرية في سلوك المدرّسين”؟

بل الأدهى أن هذه الدراسة “الجندرية” تعيد إنتاج خطاب فوقي لا يعترف بقيم المجتمع، ولا باختياراته الثقافية والدينية، بل تعتبره “رجعيًا” و”متزمتا” . فقط لأنه لا يرى في الاختلاف بين الذكر والأنثى نوعًا من الظلم ، بل تمايزًا تكامليًا تُقرّه الفطرة قبل أي تشريع.

استهداف هوية المجتمع المغربي من بوابة المدرسة

لا يُخفى على من يقرأ بتمعن أن هذه الحملات لا تسعى إلى تصحيح مظالم اجتماعية حقيقية – وهو ما نؤيده – وإنما إلى تفكيك النسق الثقافي المحافظ الذي يستمد شرعيته من الإسلام وقيم المغاربة. فهم لا يقبلون أن تكون الأمومة وظيفة نبيلة، ولا أن يكون الحياء فضيلة أنثوية، ولا أن تكون الرجولة مسؤولية ذكورية. كل هذا في عرفهم “تمييز جندري” يجب إسقاطه!

إن ترويج مفهوم “الجندر” بوصفه أداة لتحرير المدرسة من “الذكورية” ليس سوى جسر نحو تطبيع نماذج فكرية لا تمثّل المجتمع، ولا تُعبّر عن اختياراته. فالمدرسة ليست مختبرًا لهدم الهوية، وصناعة المثلية الجنسية، و تحطيم النخوة الرجالية، أو صناعة سحاقيات من بفلذات أكبادنا، بل قلعة لبناء الشخصية المتوازنة المبنية على الموروث التقليدي و الهوية الدينية.

من ينتج الخطاب؟ ومن يموله؟

تتحدث الدراسة عن 92 مقابلة فقط أُجريت في 13 ثانوية بمدينتين. وتستخلص منها نتائج تُحمّل المجتمع المغربي بأكمله مسؤولية “تطبيع التمييز”. أليس هذا استخفافًا بمئات آلاف المعلمين والتلاميذ؟ بل ما مدى تمثيلية هذه العينة الهزيلة؟ وما الغرض من تضخيم استنتاجات غير قابلة للقياس العلمي الدقيق؟

ثم، من يمول هذه الدراسات؟ ومن يدفع باتجاه تبنيها كمرجع في السياسات العمومية؟ هل لنا أن نعرف طبيعة البرامج الدولية التي تسوّق لمصطلحات من قبيل “النسوية التقاطعية” و”المقاربة الجندرية”؟ وهل نملك كدولة ذات سيادة حق تقييم هذه الأجندات وفق مصالحنا الوطنية وثوابتنا الدستورية؟ أم أننا نستلم كل ما هب ودب و نسمح لجمعيات نسوية ذات إيديولوجية مستنسخة بتدمير أخر قلع الكرامة التي تملك .

لا لتهريب المعركة نحو “الهويات”

المجتمع المغربي مجتمع مسلم محافظ، ينص دستوره على حماية ثوابته الدينية والوطنية. ونحن كإعلاميين نتحمل مسؤولية الدفاع عن هذه الثوابت، لا محاباتها ولا التنكر لها تحت يافطات ممولة ، من جمعيات غربية ، همها دس السم عبر أبناء حلدتنا لتدمير نواة مجتمع نسعى للحفاظ على بنيانه المرصوص .

نعم، نؤمن أن العدالة تقتضي إنصاف النساء، وتمكينهن علميًا واقتصاديًا. نعم، نرفض العنف والتمييز والتهميش. لكننا نرفض، وبكل وضوح، تحويل المدرسة إلى منصة لشرعنة خطاب تقسيمي يزرع الشك بين الجنسين، ويُقحم أبناءنا في صراعات لا تمتّ إلى بيئتهم بصلة، وفي ألأخير حصيلة مغرضة أساسها خلق الشك في الهوية الجنسية لأبنائنا.

إن المدرسة التي نريدها لأبنائنا ليست مدرسة “الجندر”، بل مدرسة الجودة، مدرسة الإنصاف الاجتماعي، مدرسة الفرص المتكافئة التي تحفظ للفتاة حشمتها، وللفتى كرامته، وتعلمهما معًا معنى الاحترام والتعاون والتفوق… لا مدرسة تنسخ أجندات الخارج وتطعن في القيم الأصيلة للمجتمع المغربي، وتصنع لنا مثليين و سحاقيات و جنس ثالث يصنف بين الرجل و المرأة.

نقولها بوضوح لسنا ضد النساء، بل مع الأسرة. ولسنا ضد المساواة، بل مع العدالة. ولسنا ضد تطوير المناهج، بل ضد تفخيخها بالأفكار المستوردة والمصطلحات المشبوهة. نحن مجتمع مسلم ، محافظ يعمل في دنياه ليلقى ربه سليم الجوارح نقي القلب .

Exit mobile version