بريد كاش” في مرمى الانتقادات.. شكاوى متصاعدة تكشف اختلالات تدبير خدمات “نارسا”

الجريدة العربية – مكتب الرباط

تحولت اتفاقية الشراكة المبرمة بين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) ومؤسستي “البريد بنك” و”بريد كاش”، والتي قدمت للرأي العام باعتبارها خطوة إصلاحية تهدف إلى تقريب الخدمات من المواطنين وتجويدها، إلى مصدر متزايد للتذمر والاستياء في صفوف عدد كبير من المرتفقين، الذين يؤكدون أن الواقع الميداني لا يعكس الأهداف المعلنة، بل يكشف عن اختلالات إدارية وتنظيمية أثرت بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة.

وكانت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية قد أبرمت هذه الاتفاقية في إطار تنزيل الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2017-2026، بهدف تحسين أداء مصالحها الترابية، وتسهيل ولوج المواطنين إلى خدماتها عبر تمكينهم من إيداع ملفاتهم بمختلف وكالات “البريد بنك” و”بريد كاش” المنتشرة عبر التراب الوطني، بما يخفف الضغط عن المراكز الإدارية ويقرب الخدمات من المواطنين.

غير أن شكاوى المرتفقين التي تتقاطر من مختلف المدن المغربية ترسم صورة مغايرة تماماً لما تم الترويج له.وتتعلق أبرز الشكاوى بالتأخر غير المبرر في تسليم الوثائق النهائية، وعلى رأسها رخص السياقة والبطاقات الرمادية، حيث يؤكد العديد من المواطنين أن فترات الانتظار تجاوزت في بعض الحالات عدة أشهر، بل وصلت إلى ما بين ثلاثة وأربعة عشر شهراً في ملفات معينة، دون تلقي أي توضيحات دقيقة بشأن أسباب التأخير أو المراحل التي بلغتها ملفاتهم.

كما يشتكي المرتفقون من ضعف آليات تتبع الملفات، وغياب قنوات تواصل فعالة تمكنهم من الحصول على معلومات دقيقة وفورية حول وضعية طلباتهم، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك والقلق لدى المواطنين، ويضطرهم إلى التنقل المتكرر بين الوكالات دون جدوى.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تسهم هذه الشراكة في تحسين ظروف الاستقبال والإرشاد، يلاحظ المرتفقون استمرار مظاهر الاكتظاظ والضغط الكبير داخل عدد من وكالات “بريد كاش” و”البريد بنك”، خاصة في المدن الكبرى، في ظل محدودية الموارد البشرية، وغياب التأطير الكافي للمواطنين، ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات وسرعة معالجتها.

ويثير عدد من المرتفقين أيضا إشكالية ما يصفونه بـغياب موظفين مختصين أو الاعتماد على موارد بشرية غير متمكنة من المساطر الإدارية المعقدة، الأمر الذي يؤدي إلى تضارب المعطيات، ورفض استقبال بعض الملفات دون سند قانوني واضح، فضلاً عن بطء معالجة الشكايات والتظلمات.

ومن بين الحالات التي توصلت بها “الجريدة العربية“، تلك المتعلقة بمواطنين يتحدرون من مدينة الرباط، لكن ظروف العمل فرضت عليهم الإقامة المؤقتة بمدينة طاطا، حيث فوجئوا برفض وكالة “بريد كاش” استقبال ملفات تغيير البطاقة الرمادية أو نقل الملكية، بدعوى ضرورة إيداع الملفات داخل الوكالات التابعة لعنوان السكن المثبت في البطاقة الوطنية.

هذا الرفض، بحسب المتضررين، يجبر المواطنين على قطع مئات الكيلومترات فقط من أجل إيداع ملف إداري بسيط، وهو ما يتعارض بشكل صريح مع فلسفة تقريب الإدارة من المواطن، التي شكلت أساس هذه الشراكة.

ويؤكد متضررون أن مثل هذه الممارسات تعيد إنتاج المعاناة نفسها التي كان المواطنون يأملون في تجاوزها بعد تفويض جزء من خدمات “نارسا” إلى “بريد كاش”، معتبرين أن الاتفاقية لم تحقق، إلى حدود الساعة، الأهداف المعلنة منها على أرض الواقع.

ويرى متتبعون للشأن الإداري أن نجاح أي مشروع لتفويض الخدمات العمومية يظل رهينا بتوفير شروط الحكامة الجيدة، وفي مقدمتها الشفافية، والتواصل المستمر مع المرتفقين، وتوحيد المساطر الإدارية على الصعيد الوطني، إلى جانب إرساء آليات ناجعة لتتبع الملفات ومعالجة الشكايات في آجال معقولة.

كما يطالب حقوقيون وجمعويون بفتح تقييم شامل لهذه التجربة، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، وتحديد المسؤوليات بشأن حالات التأخير أو رفض الملفات، مع ضمان احترام مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، بغض النظر عن محل الإقامة أو ظروف التنقل.

Exit mobile version