الجريدة العربية – بوحافة العرابي *
منذ أن فتح المغرب أبوابه لاحتضان المهاجرين الأفارقة، مستندًا إلى قيم التضامن الإنساني والانفتاح الجيوسياسي، دخلت المملكة تجربة فريدة من نوعها في محيط إقليمي مضطرب. حيث بدأت الرحلة سنة 2014 بقرار شجاع، تمثل في تسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين غير النظاميين، من منطلق التزام إنساني وقاري، وجاءت المرحلة الثانية في 2016 لترسخ هذه المقاربة، عبر إضفاء طابع قانوني على الإقامة والاندماج.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بمرارة وقلق: هل نحصد الآن ثمار تلك المقاربة أم نحصد نتائج خلل كبير في التدبير؟
وهل صار بعض المهاجرين الأفارقة قنابل موقوتة في قلب المدن المغربية، بعدما تحولوا من ضحايا التشرد إلى مصدر للرعب والفوضى والعنف؟
محطة ولاد زيان… المرآة العاكسة للفشل
من يمر بمحطة ولاد زيان في قلب الدار البيضاء، لا يمكنه إلا أن يشعر بالدهشة… والذعر. تجمعات بشرية عشوائية، خيام ممزقة، عنف يومي، اعتداءات جسدية، واشتباكات دموية بين المهاجرين أنفسهم، وبينهم وبين المواطنين المغاربة. إنها ليست فقط بؤرة توتر، بل قنبلة اجتماعية موقوتة تنفجر ببطء.
كل ذلك أمام أعين السلطات، التي غالبًا ما تفضل الصمت أو التدخلات الموسمية غير المجدية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول من يتحمل مسؤولية هذا الانفلات.
نعم، المغرب اختار الطريق الإنساني، وقرر أن يكون جسراً بين الجنوب الفقير والشمال المتخم بالعنصرية، لكن من دون أدوات حقيقية لضبط الهجرة وتدبير التعدد الثقافي والسكاني، ليتحوّل هذا التسامح إلى فوضى عارمة .
ما نعيشه اليوم ليس نتيجة لتوافد عابر للمهاجرين، بل نتيجة غياب خطة وطنية صارمة وشاملة تربط بين حقوق الإنسان وواجب احترام القانون، بين استقبال اللاجئ وإخضاعه لمسار إدماج حقيقي، لا الاكتفاء بمنحه بطاقة إقامة تتحول إلى وثيقة صورية.
هل نحن عاجزون أم متواطئون؟
حين تخرج مئات التسجيلات المصورة لمواطنين مغاربة يتعرضون للسرقة، والطعن، والتحرش، على أيدي بعض المهاجرين غير النظاميين، فإننا لا نتحدث عن حالات معزولة، بل عن ظاهرة تستحق إعلان “حالة طوارئ اجتماعية”.
العجز الأمني في عدد من الأحياء لم يعد مبررًا، والتغاضي السياسي لم يعد مقبولًا، لأن استمرار هذه الظاهرة دون حزم، يُضعف ثقة المواطن في الدولة، ويخلق مناخًا متوترًا قد يهدد السلم الأهلي.
بل الأخطر من ذلك، هو الغياب المهين للأحزاب السياسية التي اختارت الصمت كخيار استراتيجي في وقت يستدعي الصراخ بالفعل لا المجاز.
أين أنتم من هذه الفوضى؟ أين نقاشاتكم؟ أين مناظراتكم؟ أين مشاريع قوانينكم؟ أم أن نعيم الكرسي خدّر الإحساس، وجعل منكم شهود زور على انهيار اجتماعي وشيك؟
تغيب اليوم الأحزاب وكأن المهاجرين الأفارقة نزلوا من كوكب آخر، وفي بلد أخر ، وكأن الأمر لا يعنيهم. بيد أن الواقع يفضح ضعفًا هيكليًا رهيبًا، وعجزًا عن مسايرة قضايا الوطن الحقيقية، لا القضايا الموسمية والمناسباتية.
نحو حلول جذرية لا مسكنات مؤقتة
و للحد من خطورة هاته الظاهرة غير المستقرة ، سيتوجب التجند لإحتواء كل ما يمكن أن يترتب عنها من إشكاليات . وم هذا المنى يمكن أن نعطي مجموعة من الحلول الجذرية لا الشكلية ، لنقف مع المؤسسات في معظلتها هاته :
– بناء مراكز للإيواء والتأهيل: على غرار النماذج الأوروبية، حيث يجب أن تبني الدولة مراكز نظامية لإيواء المهاجرين، تكون مجهزة للاستقبال المؤقت والتصنيف الإدماجي، بدل تركهم يتسكعون في محطات النقل والأحياء الهشة.
– خلق خريطة وطنية للتوطين الذكي: يمكن توطين المهاجرين في المدن المغربية المحتاجة إلى اليد العاملة، بتنسيق مع الجماعات الترابية، بدل حصرهم في محور الرباط-الدار البيضاء-طنجة، مما يخلق ضغطًا ديمغرافيًا وأمنيًا لا يحتمل.
– إدماج لغوي وثقافي وتكويني: لا يمكن للمهاجر أن يندمج في مجتمع لا يفهم لغته. لذلك، يجب فتح مدارس لتعليم اللغة العربية أو الدارجة أو الفرنسية، وإدماجهم في منظومة التكوين المهني لتأهيلهم وفق حاجيات الاقتصاد الوطني.
– مواكبة نفسية واجتماعية شاملة: كثير من المهاجرين يحملون في داخلهم جراح الحروب، والفقر، والتمييز، مما يجعلهم عرضة للانفجار في وجه الآخر. يجب إدماجهم في برامج دعم نفسي اجتماعي، ترافقهم في رحلتهم نحو التوازن.
– حملات وطنية للتوعية: يجب أن يتعلم المغربي كيف يستوعب الآخر، لكن قبل ذلك، يجب أن يشعر أن دولته و مؤسساته تحميه أولًا. فلا يمكن الحديث عن تعايش دون عدالة، ولا عن التسامح دون أمن.
– خلق مؤسسات وسيطة: تعاونيات، جمعيات، مراكز وساطة، بتمويل من الدولة، تتكفل بمتابعة ملفات المهاجرين، وتأطير اندماجهم، وتسهيل تواصلهم مع المؤسسات الرسمية، بدل تركهم نهبًا للضياع والفوضى.
لكن إذا ذكرنا الجمعيات، فلا بد أن نشير إلى تلك المنظمات التي لا ترى في هذا الملف سوى وسيلة للتشويش على الدولة والسلطات. هؤلاء الذين لا يعرفون إلا النباح الحقوقي في وجه الدولة، عليهم الآن أن يصمتوا أو يقدّموا حلولاً جذرية خلاقة ، و يظهرا حسن نيتهم تجاه الأطراف. بعبارة أدق، لقد انتهى زمن المتاجرة بالقضايا العامة و الخاصة . من يملك مشروعًا فليقدمه، ومن لا يملك فليتوقف عن العويل أمام كاميرات المنظمات الأجنبية. فالمزايدات الفارغة لن تنقذ بلدنا من السقوط في فوضى مرعبة.
الجرة أصبحت واقعا : إذن لنفعل الحوار مع ممثلي الجاليات الإفريقية
لا يمكن معالجة ملف بهذا التعقيد دون الإنصات للطرف الآخر. يجب خلق قنوات مؤسساتية دائمة للحوار مع ممثلي الجاليات الإفريقية، للاستماع إلى مشاكلهم، وتحديد مسؤولياتهم، ومراقبة سلوكياتهم، و تحديد أماكن سكناهم ، حتى ولو كانوا في الغابات أو تحث القناطر .
إن المغرب لا يمكنه أن يظل رهينة لفوضى الهجرة غير النظامية، ولا يمكن أن يبقى المواطن المغربي، الذي يدفع الضرائب، ويصبر على الغلاء، ويعاني من البطالة، معرضاً للتهديد في أمنه وسكينته، في وطنه.
بل وجب التحرك بأقصى سرعة ، وليس المطلوب اليوم إغلاق الحدود، ولا معاداة المهاجرين، ولكن المطلوب بناء سياسة هجرة ذكية، تراعي كرامة الإنسان وتحمي أمن المواطن. حتى نجعل من بلدنا رائدًا إفريقيًا في تدبير الهجرة، بدون أن ننسى المقاربة الأمنية ،حتى لا نغامر يغامر بأمنه واستقراره في سبيل شعارات لا تطبق على الأرض.
فواقع الحال ، يجسد حثمية أكيدة ، هي أن هذا الملف خطير، ولا يحتمل مزيدًا من التأجيل. فهل تتحرك السلطات قبل فوات الأوان؟ أم سنظل ندفن رؤوسنا في الرمال إلى أن تقع الكارثة الكبرى؟
* بوحافة العرابي :
-
باحث أكاديمي في مجال الصحافة، والإعلام الاجتماعي والسياسي
-
كاتب صحفي مقيم بأوروبا
-
رئيس هيئة التحرير والنشر بالجريدة العربية
