المقاولات بالمغرب: ديناميات جهوية جديدة تعيد رسم خريطة المغرب المنتج

الجريدة العربية

تكشف المعطيات الأخيرة الصادرة عن المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة عن تحولات لافتة في الجغرافيا الاقتصادية الوطنية، تتجاوز القراءة التقليدية التي حصرت الثقل المقاولاتي في محور طنجة–الدار البيضاء. فبينما لا يزال هذا المحور يشكل القلب النابض للاقتصاد الوطني، برزت في المقابل مؤشرات على ديناميات جهوية صاعدة تستدعي مقاربة أكثر تمايزا في السياسات العمومية.

في سنة 2024، استأثر محور طنجة–الجديدة بما يقارب 65 في المائة من مجموع المقاولات النشيطة، مع تمركز ملحوظ لحجم المعاملات والقروض البنكية. وتواصل جهة الدار البيضاء–سطات تصدرها للمشهد، إذ تساهم وحدها بحوالي 60 في المائة من رقم المعاملات الوطني، وتظل الوجهة الأولى لتمركز المقاولات الكبرى. غير أن هذه الهيمنة البنيوية، وإن بدت مستقرة، تخفي تحركات تدريجية في أقاليم أخرى.

وتبرز جهة درعة–تافيلالت كإحدى أبرز الحالات، بعدما سجلت أعلى معدل نمو سنوي في عدد المقاولات، بنسبة نمو من رقمين. ورغم أن الحجم الإجمالي للنشاط يظل محدودا مقارنة بالجهات الكبرى، فإن هذا التطور يعكس بروز مبادرات محلية جديدة، تقودها أساسا مقاولات صغيرة تواجه تحديات التمويل والولوج إلى الأسواق.

كما تعكس خريطة إحداث المقاولات تباينات واضحة بين الجهات. فإلى جانب استمرار تركّز أكثر من ثلث المقاولات الجديدة بجهة الدار البيضاء–سطات، تليها مراكش–آسفي والرباط–سلا–القنيطرة، تسجل جهات أخرى معدلات إنشاء أقل، لكنها في بعض الحالات أكثر انسجاما مع مؤهلاتها الاقتصادية المحلية. في المقابل، تعاني بعض المناطق من مفارقة ارتفاع وتيرة الإحداث مقابل ارتفاع نسب التصفية، خاصة في قطاعات التجارة والبناء، ما يعكس هشاشة هيكلية في النسيج المقاولاتي.

وتتجلى هذه التفاوتات أيضا في مجالي التشغيل والتصدير. فبعض الجهات تساهم بقوة في خلق مناصب الشغل النظامية دون أن يكون لها وزن كبير في الصادرات، بينما تتميز أخرى باندماج أعمق في سلاسل القيمة الصناعية، ما يتيح لها توليد قيمة مضافة أعلى رغم محدودية عدد المقاولات بها. هذه الفجوة بين الكثافة المقاولاتية، والتنافسية الخارجية، والقدرة على خلق فرص الشغل، تؤكد تعدد المسارات التنموية جهويا.

وتشير هذه المعطيات إلى حدود المقاربة الموحدة في دعم المقاولات. فاحتياجات جهة صناعية ولوجستية كبرى لا تماثل حاجيات جهة في طور الإقلاع المقاولاتي، حيث تبرز ضرورة التركيز على المواكبة، وبناء القدرات، وضمان استدامة المشاريع الناشئة. كما أن سياسات التمويل، ودعم التصدير، وتنمية الكفاءات، قد تكون أكثر نجاعة إذا صيغت وفق خصوصيات كل جهة بدل اعتماد مقاربة متجانسة.

وترسم هذه الديناميات الجهوية صورة لمغرب منتج متعدد السرعات، حيث لم يعد تقليص الفوارق رهينا بنموذج واحد، بقدر ما يتطلب الاعتراف بتنوع الإمكانات الترابية وتكييف أدوات السياسات الاقتصادية مع واقع كل مجال.

Exit mobile version