الجريدة العربية – محمد حميمداني
احتل المغرب المرتبة الثالثة إفريقيا، من حيث عدد المليونيرات، بنحو 8300 شخصا، ممن يمتلكون ثروة سائلة لا تقل عن مليون دولار. وفق ما حملته النسخة 12 من تقرير “الثروة في إفريقيا 2026″، (Africa Wealth Report 2026)، الصادر عن مؤسسة “New World Wealth” المتخصصة في أبحاث الثروات.
في هذا السياق، يضع التقرير “المملكة المغربية” خلف “جنوب إفريقيا”، التي تتصدر القائمة بنحو 48 ألفا و200 مليونيرا. فيما حلت مصر ثانية بـ15 ألفا و100 مليونيرا. متبوعة بـ”نيجيريا” بنحو 8100 مليونيرا. تليها “كينيا” بحوالي 6500 مليونيرا.
تكتسب هاته النتيجة أهميتها الكبيرة عند الانتقال من حجم الثروة إلى وتيرة نموها. إذ يشير التقرير إلى أن عدد المليونيرات في “المغرب” ارتفع بنحو 55 في المائة، خلال العقد الأخير. وهي أعلى وتيرة نمو بين أسواق “الخماسي الكبير” للثروة في القارة.
بذلك، لا يقدم التقرير “المغرب” باعتباره أكبر سوق إفريقية من حيث عدد أصحاب الثروات. وإنما باعتباره أحد الأسواق التي شهدت صعودا سريعا في قاعدة أصحاب الثروات المرتفعة. في وقت لا تزال فيه الثروة الإفريقية متركزة بدرجة كبيرة في عدد محدود من الدول والمدن.
تسجيل أكثر من 127 ألف مليونيرا في إفريقيا
تكشف البيانات المضمنة في التقرير، أن عدد المليونيرات في القارة الإفريقية، بلغ حوالي 127 ألفا و100 شخصا، حتى نهاية شهر يونيو من عام 2026. إلى جانب 374 شخصا من فئة أصحاب الثروات التي تتجاوز 100 مليون دولار. حاصرا إياها في 28 مليارديرا.
أما فيما يتعلق بإجمالي الثروة السائلة في إفريقيا، فقد تجاوزت 3 تريليون دولار، وفق التقرير. الذي يتوقع استمرار نمو الثروة في القارة، خلال السنوات المقبلة. مدعوما بصعود قطاعات جديدة إلى جانب القطاعات التقليدية.
في هذا الشأن، أوضح التقرير أن القطاعات المرشحة للمساهمة بقوة في صناعة الثروات الإفريقية، خلال العقد المقبل. تشمل التكنولوجيا المالية، التجارة الإلكترونية وتطوير البرمجيات. فضلا عن الذكاء الاصطناعي، الاستثمارات الخضراء والسياحة البيئية. إضافة للتعدين، التكنولوجيا الحيوية وإدارة الثروات.
في هذا الباب، يرى “أندرو أمولز”، رئيس الأبحاث في “New World Wealth”، أن قطاعات مثل السياحة البيئية والعقارات المرتبطة بها والصناعات الإبداعية. فضلا عن التكنولوجيا المالية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخضراء. ستكون من بين المحركات الأساسية لصناعة الثروة في إفريقيا خلال المرحلة المقبلة.
“جنوب إفريقيا” في الصدارة و”المغرب” يتفوق على “نيجيريا”
تواصل “جنوب إفريقيا” تصدرها لخريطة الثروة الخاصة في القارة بفارق كبير. إذ تضم 48 ألفا و200 مليونيرا. إضافة لـ131 من أصحاب الثروات التي تفوق 100 مليون دولارا و10 مليارديرات.
في هذا الصدد، أوضح التقرير أن “جنوب إفريقيا” تستحوذ لوحدها على نحو 38 في المائة من مليونيرات القارة. فضلا عن 36 في المائة من مليارديريها. كما تحتل المرتبة 34 عالميا من حيث عدد المليونيرات المقيمين فيها. فيما تأتي “مصر” في المركز الثاني بـ15 ألفا و100 مليونير. بينما يحل “المغرب” ثالثا بـ8300 مليونيرا، متقدما، بفارق محدود، على “نيجيريا” التي سجلت 8100 مليونيرا.
تكشف هاته الأرقام، عن مفارقة اقتصادية لافتة. إذ تضم “نيجيريا”، التي تعد أحد أكبر الاقتصادات الإفريقية من حيث الحجم. عددا من المليونيرات أقل بقليل من “المغرب”، وفق المقياس المعتمد في التقرير.
غير أن التعاطي مع هاته النتائج يحتاج إلى الحذر. فتصنيف “New World Wealth” لا يقيس الناتج الداخلي الخام أو حجم الاقتصاد. كما أنه لا يعكس بالضرورة مستوى دخل المواطنين. وإنما يقيس عدد الأشخاص الذين يمتلكون مستوى محددا من الثروة السائلة بالدولار.
“مراكش” قطب الثروة الأسرع
تضع المؤشرات المتصلة بالداخل المغربي، مدينة “مراكش” ضمن أبرز مناطق النمو السريع للثروة على المستوى الإفريقي.
هكذا، ووفق التقرير، فقد سجلت المدينة، خلال العقد الأخير، نموا في الثروة بلغ 82 في المائة. ما يجعلها من أسرع وجهات الثروة نموا في القارة. حيث لا تتجاوزها في القائمة سوى منطقة “بلاك ريفير Black River”، في “موريشيوس”، التي سجلت نموا بلغ 120 في المائة.
يربط التقرير جاذبية “مراكش” بكونها مركزا بارزا للسياحة الفاخرة. فضلا عن كونها وجهة متنامية للأشخاص من ذوي الثروات المرتفعة. خصوصا من “أوروبا” و”الشرق الأوسط”. إلى جانب توفرها على منظومة كبيرة من الفنادق الفاخرة والعقارات الراقية.
تكشف هاته المعطيات، عن تحول تدريجي في طبيعة المدن التي تستقطب الثروات. فالأمر لم يعد مرتبطا فقط بالمراكز المالية التقليدية. وإنما أصبح للمدن التي تجمع بين السياحة الفاخرة وجودة الحياة والعقار والخدمات والاستثمار الدولي، أيضا.
“طنجة” الثروة المرتبطة بالصناعة واللوجستيك
في الجهة المقابلة، تقدم مدينة “طنجة” نموذجا مختلفا نسبيا عن “مراكش”. اتصالا بكون جاذبيتها الاقتصادية مرتبطة بالتصنيع واللوجستيك والتجارة الدولية.
في هذا السياق، تستفيد المدينة من موقعها الجغرافي ومنظومتها الصناعية واللوجستيكية. وفي مقدمتها ميناء “طنجة المتوسط” والمناطق الصناعية الحرة المرتبطة، بصناعات السيارات والطيران والنسيج.
وتبرز معطيات التقرير، أن “طنجة” سجلت نموا في الثروة بلغ نحو 42 في المائة، خلال العقد الماضي. كما أدرجها التقرير ضمن المدن المرشحة لتحقيق مستويات مرتفعة من نمو الثروات، خلال السنوات المقبلة.
بذلك تبدو الخريطة المغربية للثروة موزعة بين نماذج اقتصادية مختلفة: “الدار البيضاء” كمركز للمال والأعمال و”مراكش” كوجهة للسياحة والعقار الفاخر. فيما تمثل “طنجة” مركزا صناعيا ولوجستيا دوليا.
“الدار البيضاء” القلب المالي للثروة المغربية
تحتفظ مدينة “الدار البيضاء”، بموقعها المركزي في المنظومة الاقتصادية المغربية. اتصالا بتمركز مؤسسات مالية وشركات كبرى وأسواق وخدمات متخصصة داخلها.
في هذا الشأن، تشير البيانات الواردة في المعطيات المنشورة حول التقرير، إلى وجود نحو 2800 مليونيرا في “الدار البيضاء”. مع تمركز جزء مهم من أصحاب الثروات في مناطق راقية من المدينة.
لا يرتبط هذا الحضور بالثروة العقارية فقط، خصوصا وأن منهجية التقرير تستبعد العقارات من حساب “الثروة السائلة”. بل بوجود أصحاب أصول مالية واستثمارات قابلة للتحويل إلى سيولة أيضا. ضمنها الأسهم والسندات والنقد والصناديق الاستثمارية. فضلا عن بعض الأصول الأخرى التي يعتمدها التقرير في قياسه.
“المغرب” الأسرع نموا بين “الخماسي الكبير”
على الرغم من كون المركز الثالث الذي احتله “المغرب”، هو العنوان الأكثر إثارة للانتباه. إلا أن المؤشر الأكثر دلالة في التقرير، يتمثل في نمو عدد المليونيرات بنسبة 55 في المائة، خلال العقد الأخير.
نسبة تتفوق على معدلات النمو المسجلة في عدد من الأسواق الكبرى بالقارة الأفريقية. ما يعكس، وفق قراءة التقرير، تنامي الثروة الخاصة في “المغرب” بوتيرة قوية نسبيا.
في سياق متصل، تربط تحليلات مستندة إلى التقرير، هذا التطور بعدة عوامل. ضمنها جاذبية “المملكة المغربية” بالنسبة للمستثمرين والأشخاص، من ذوي الثروات المرتفعة. فضلا عن توسع بعض القطاعات الاقتصادية، ونمو الأسواق المالية والعقارية الفاخرة. إضافة لموقع “المغرب” كوجهة سياحية واستثمارية بين “أوروبا” و”إفريقيا”.
لكن هذه الزيادة المسجلة، لا ينبغي النظر إليها، باعتبارها ارتفاعا مماثلا في ثروة المجتمع المغربي ككل. بل تخص شريحة محدودة من السكان، وفق معيار مالي دولاري دقيق.
ماذا يعني “مليونير” وفق تقرير “New World Wealth”؟
هنا تبرز نقطة منهجية أساسية لفهم الأرقام. فمصطلح “مليونير”، وفق التقرير، لا يعني شخصا تبلغ قيمة ممتلكاته الإجمالية مليون دولار. وإنما يشير إلى شخص يمتلك مليون دولار أو أكثر من الثروة السائلة.
وتشمل هاته الثروة السائلة، وفق منهجية التقرير. النقد والأسهم والصناديق المتداولة والسندات والذهب والعملات المشفرة وغيرها من الأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة بسرعة.
في المقابل، لا تدخل العقارات والمقاولات العائلية والأسهم في الشركات الخاصة وبعض الأصول غير السائلة في هذا المقياس. وهو ما يجعل أرقام التقرير مختلفة عن تقديرات أخرى قد تستخدم تعريفات أوسع للثروة. كما أن الأرقام مقربة إلى حوالي 100 شخصا، وجميعها محسوبة بالدولار وبناء على وضع الثروة، حتى 30 يونيو من عام 2026.
في هذا الصدر، تفيد المؤسسة أن تقديراتها تعتمد على نموذج إحصائي خاص بها. يجمع بين بيانات دخل الأسر، والقيمة السوقية للأسواق المالية، والبيانات الضريبية، والعقار الفاخر، وعدد مكاتب إدارة الثروات العائلية. فضلا عن قاعدة بيانات داخلية للأشخاص من ذوي الثروات المرتفعة.
ارتفاع الثروة لا يعني غياب التفاوت
تطرح هاته التقارير، سؤالا أوسع حول العلاقة بين نمو الثروة الخاصة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. لأن ارتفاع عدد أصحاب الثروات المرتفعة يمكن أن يعكس جاذبية الاستثمار ونمو الشركات وارتفاع قيمة الأصول وتطور الأسواق المالية والعقارية. إلا أنه لا يمثل مؤشرا كافيا للحكم على توزيع الدخل أو العدالة الاجتماعية.
في الحالة المغربية، يظل قياس الفوارق الاجتماعية والاقتصادية مرتبطا بمؤشرات أخرى. من قبيل الدخل والاستهلاك والفقر والهشاشة وسوق الشغل والولوج إلى الخدمات الأساسية.
أما من الناحية القانونية، فإن امتلاك الثروة في حد ذاته، يعتبر نشاط مشروعا، ما دام مصدره مشروعا. أي أنه يتم في احترام تام للالتزامات القانونية والجبائية والتنظيمية المرتبطة بها.
من هنا، تكتسب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والشفافية الجبائية، والتصريح بالمداخيل والأصول، وفق الحالات التي يحددها القانون. أهمية خاصة كلما تعلق الأمر بتدفقات مالية واستثمارات عابرة للحدود.
كما تخضع المؤسسات المالية والجهات المهنية المعنية بالتعاملات المالية لالتزامات قانونية مرتبطة بالتعرف على العملاء وتتبع العمليات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة. وذلك اتصالا بالمنظومة المغربية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
من هنا، فإن صعود “المغرب” في مؤشرات الثروة الخاصة، يمكن قراءته من زاويتين متكاملتين: الأولى كمؤشر على تنامي بعض مراكز الاستثمار وصناعة الثروة. والثانية باعتبارها اختبارا لقدرة الاقتصاد على تحويل جزء من هاته الدينامية لاستثمار منتج وفرص شغل وقيمة مضافة أوسع.
من “صناعة الثروة” إلى “توزيع آثارها”
تكمن الأهمية الاقتصادية الحقيقية لهاته الأرقام في اتصالها بسؤال محوري مفاده: ماذا يحدث للثروة بعد تشكلها؟.
إذ، أن ارتفاع عدد أصحاب الثروات المرتفعة نتيجة توسع الأعمال والاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والسياحة والصناعة. يرتبط بخطوة أخرى تبقى ضرورية تقوم على توجيه جزء من هاته الثروة نحو الاستثمار المنتج وتمويل المقاولات وخلق الوظائف وتطوير الابتكار. فيما إذا انحصر النمو أساسا بارتفاع أسعار الأصول، دون توسع مواز في النشاط الإنتاجي. فإن أثره على الاقتصاد والمجتمع قد يكون أكثر محدودية.
من هنا، فإن تقدم “المغرب” للمرتبة الثالثة إفريقيا لا ينبغي النظر إليه باعتباره تصنيفا لأثرياء المملكة فقط. بل باعتباره مؤشرا يستحق النقاش حول طبيعة الاقتصاد الذي ينتج الثروة، والقطاعات التي تستقطبها، ومدى مساهمتها في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
موقع “المغرب” على منصة الثروة يتجاوز التصنيف
تضع بيانات “Africa Wealth Report 2026” المغرب ضمن الدول الإفريقية الخمس الكبرى من حيث عدد أصحاب الثروات. مانحة إياه موقعا متقدما جدا، من حيث نمو قاعدة المليونيرات، خلال العقد الأخير. حيث تضم المملكة نحو 8300 مليونيرا. في مقابل 127 ألفا و100 مليونيرا في القارة ككل. فيما تجاوزت الثروة السائلة الإفريقية ثلاثة تريليونات دولار.
والسؤال المحوري الذي يفرض نفسه، لا يكمن في الوصول إلى المركز الثالث، بل في سرعة الصعود. إذ إن نمو الثروة المغربية بنسبة 55 في المائة، خلال عقد، يضع المملكة ضمن أبرز الأسواق الإفريقية التي تشهد إعادة تشكيل لخريطة الثروة الخاصة.
هكذا، فبينما تتصدر “جنوب إفريقيا” المشهد من حيث الحجم، تحتفظ “مصر” بثقل كبير. بينما تبدو “المملكة المغربية” في موقع مختلف. حيث تمتلك قاعدة ثروة أصغر، لكن بوتيرة نمو قوية، ومدن جديدة تدخل تدريجيا خريطة الثروات الإفريقية، على رأسها “مراكش” و”طنجة”.
لكن التحدي الأكبر الذي يبقى قائما، هو كيفية تحويل هذا الصعود في الثروة الخاصة لاستثمار منتج، ومقاولات أكثر تنافسية، وفرص عمل، وابتكار. وبالتالي قيمة مضافة، يستفيد منها الاقتصاد الوطني على نطاق أوسع، بآثارها الاجتماعية الكبرى.
