الجريدة العربية
في خضم الأفواج الكثيرة التي يعرفها العالم جراء الهجرة البشرية ، تسربت نظرية المؤامرة المعروفة بـ«الاستبدال الكبير» من هوامش اليمين المتطرف الأوروبي الذي ضاق ذرعا بالمهاجرين (بسبب أو من دونه) إلى شبكات التواصل بالمغرب، حيث وجدت بيئة خصبة لتكاثرها بفعل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان هذا الخطاب في أوروبا مدعومًا من تيارات سياسية معلنة، فإنه في المغرب يتغذى أساسًا على منصات رقمية يديرها مؤثرون ومجهولون يحترفون صناعة الخوف.
ففي بلدنا المغرب، لم يكن هناك خطاب رسمي يُشرعن هذه النظرية، لكننا اليوم نرى آلاف المنشورات على فيسبوك، ومقاطع قصيرة على منصة تيك توك وصور على إنستغرام ، تبث روايات مشحونة بالعاطفة، وأرقام مختلقة عن الجريمة، صور عن تجمعات سكنية للأفارقة ، ونظريات عن مخطط لإغراق المغرب بالمهاجرين. هذه المواد، المقدّمة بإخراج بصري متقن، تكتسب مصداقية شكلية، قبل أن تعيد خوارزميات المنصات تضخيمها لآلاف المرات.
كثير من ناشري هذا المحتوى لا يكتفون بالتأثير المجاني. البعض يجنون أرباحًا مباشرة من المشاهدات والإعلانات، ما يحول خطاب العنصرية إلى تجارة مربحة. تحت غطاء قول الحقيقة أو حماية الهوية ، حيث تتحول مخاوف الناس المشروعة من البطالة أو غلاء المعيشة إلى وقود لشعارات إقصائية تتغذى على التضليل.
ورغم أن هذا الخطاب يبقى افتراضيًا في بدايته، إلا أن انعكاساته الاجتماعية ملموسة. فالزيادة في حالات التمييز و العنصرية، والمضايقات اليومية يتعرض لها بعض المهاجرين الأفارقة، وتنامي الشعور العام بالريبة من الآخر. هي دينامية تهدد التماسك الاجتماعي، وتفتح الباب أمام انقسامات لا تخدم أحدًا.
وفي مواجهة هذا المدّ، تتحرك جمعيات حقوقية، فنانون ومثقفون لبناء خطاب بديل قائم على التعايش وقبول الاختلاف. عبر المسرح، الموسيقى أو الحملات التوعوية، يحاول هؤلاء كسر الصورة النمطية، مذكرين بأن المغرب تاريخيًا كان ملتقى حضارات وممرا للتواصل لا للجدران.
حيث يبقى التحدي المطروح اليوم ليس فقط في مراقبة ما يُنشر على المنصات، بل في رفع مناعة المجتمع ضد التضليل. فالتعليم مثلا ، و معه الإعلام المسؤول، والمبادرات الشبابية قادرة على خلق حصانة معرفية تجعل من الصعب على أي خطاب جاهز أن يجد طريقه إلى العقول. حيث أن الرهان المغربي اليوم هو أن يظل فضاءه الرقمي مصدر إبداع وتنوع، لا بؤرة لتصدير الكراهية.
