الجريدة العربية
يؤكد المغرب، مرة أخرى، موقعه كفاعل محوري في صياغة المقاربات الحديثة لأمن التظاهرات الرياضية الكبرى، بعدما تحولت الرباط، ابتداءً من اليوم، إلى منصة دولية للنقاش الاستراتيجي حول التحديات الأمنية والقانونية المرتبطة بتنظيم المنافسات الرياضية الضخمة. ويأتي ذلك من خلال احتضان ندوة علمية دولية تمتد لثلاثة أيام، ينظمها وزارة العدل عبر المرصد الوطني للإجرام، بشراكة مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، وبمشاركة أزيد من 230 خبيرًا ومسؤولًا رفيع المستوى يمثلون 15 دولة وعددًا من أبرز الهيئات الدولية.
وتشارك في هذا الموعد الدولي مؤسسات وازنة من قبيل الفيفا، واليويفا، والإنتربول، واليوروبول، إلى جانب مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ما يعكس حجم الرهان الدولي على التجربة المغربية في هذا المجال.
ويكتسي توقيت هذه الندوة دلالة خاصة، إذ تتزامن مع احتضان المملكة لنهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025، وقبل خمس سنوات فقط من الموعد العالمي الأبرز، كأس العالم 2030، التي سينظمها المغرب بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. وهو ما يعكس، بحسب متابعين، مقاربة مغربية تقوم على الاستباق، وتحويل كل تظاهرة كبرى إلى مختبر عملي لتطوير السياسات العمومية الأمنية.
الندوة، التي تنعقد تحت عنوان “أمن التظاهرات الرياضية الكبرى: التحديات الأمنية والقانونية في عصر التحول الرقمي”، لا تقتصر على البعد الأمني التقني، بل تضع الإطار القانوني في صلب النقاش، باعتباره المحدد الناظم لكل تدخل ميداني. ويبرز هذا التوجه من خلال الانخراط المباشر لمؤسسات إنفاذ القانون، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، إلى جانب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بما يضمن ربط التحليل النظري بالواقع العملي.
كما تميزت الأشغال بحضور دولي نوعي، شمل خبراء في الأمن الرياضي، ومختصين في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ومسؤولين عن حماية الحدود وتدبير الحشود، ما أتاح نقاشًا معمقًا حول المخاطر الجديدة التي تفرضها الرقمنة، من قبيل القرصنة الإلكترونية، وتزوير التذاكر الرقمية، واستغلال البيانات الضخمة لأغراض إجرامية.
وتوزعت محاور الندوة على قضايا مركزية، أبرزها دور التحول الرقمي في تعزيز الأمن أو تعقيد مخاطره، ومكانة الرياضة في الوقاية من التطرف العنيف، وتبادل أفضل الممارسات الدولية في تأمين الأحداث الكبرى، إضافة إلى آليات الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، عبر الاستخبارات التنبؤية والتنسيق متعدد المستويات.
كما احتل النقاش القانوني موقعًا محوريًا، خاصة في ما يتعلق بضرورة ملاءمة التشريعات الوطنية مع التهديدات المستجدة، دون المساس بالحريات الفردية وحقوق الإنسان، وهو التوازن الدقيق الذي يشكل أحد أكبر تحديات الدول المنظمة للتظاهرات العالمية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية مغربية بعيدة المدى، تعتبر أن نجاح التنظيم لا يقاس فقط بسلاسة المباريات أو جودة البنيات التحتية، بل أيضًا بقدرة الدولة على ضمان أمن شامل، ذكي، ومندمج، يستند إلى التعاون الدولي وتبادل الخبرات. فالمغرب، وهو يستعد لمونديال 2030، لا يراهن فقط على الإنجاز الرياضي، بل على ترسيخ نموذج إقليمي وقاري في حكامة أمن التظاهرات الكبرى.
ومن المنتظر أن تُتوَّج أشغال هذه الندوة بوثيقة خلاصات وتوصيات عملية، سيتم الإعلان عنها في الجلسة الختامية، لتشكل مرجعًا استراتيجيًا يؤطر السياسات الأمنية المستقبلية، ليس فقط على المستوى الوطني، بل على الصعيدين الإفريقي والدولي.
