الجريدة العربية – محمد حميمداني
كشفت تقارير رسمية أنجزتها المفتشية العامة التابعة لوزارة الداخلية بالمغرب عن وجود خروقات تعميرية خطيرة تورطت فيها شركات عقارية معروفة ب”جهة الدار البيضاء سطات”، همت مشاريع سكنية وتجارية بضواحي العاصمة الاقتصادية، ما يعكس استمرار الاختلالات البنيوية التي يعرفها قطاع التعمير والتدبير العقاري بالمغرب، ما اعتبره متابعون مؤشرا مقلقا على استمرار أعطاب الحكامة في هذا القطاع الحيوي، على الرغم من الإطار القانوني الزجري المعمول به.
وبحسب خلاصات لجان التفتيش المركزية، فإن هذه الخروقات شملت تجاوز تصاميم التهيئة المصادق عليها، وعدم احترام التراخيص القانونية المسلمة، سواء من حيث طبيعة الاستعمال أو المساحات أو علو البنايات وعدد الطوابق، في خرق مباشر لمقتضيات “القانون رقم 12.90″، المتعلق بالتعمير و”القانون رقم 66.12″، الخاص بزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء.
تجدر الإشارة إلى أن “القانون رقم 12.90″، المتصل بالتعمير، الصادر عام 1992 (مع تعديلاته اللاحقة)، يعتبر النص التشريعي الأساسي بالمغرب لتنظيم التوسع العمراني، حيث يحدد وثائق التعمير المطلوب إنجازها، (مخطط التوجيه، تصميم التهيئة، تصميم التنطيق). كما يفرض التوفر على رخصة البناء، ويسن إجراءات صارمة لزجر المخالفات، بما في ذلك الهدم والغرامات، ويقلص مدة صلاحية تصميم التهيئة إلى 10 سنوات. فيما يعد “القانون رقم 66.12″، الصادر عام 2016، المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء في المغرب، ترسانة قانونية مشددة تعزز دور ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير. كما أنها تمنح السلطة المحلية، (الوالي/العامل)، صلاحيات واسعة للهدم التلقائي للبناء غير المرخص وإيقاف الأشغال، إضافة إلى إقرار عقوبات جنائية وغرامات مالية باهظة في حق المخالفين والمهندسين والتقنيين.
تسجيل خروقات ممنهجة وتلاعب بدفاتر التحملات
أفادت ذات المصادر بأن عددا من المنعشين العقاريين لم يلتزموا بدفاتر التحملات القانونية، التي تحدد شروط البناء والاستغلال والوظائف العمرانية للفضاءات، حيث جرى إدخال تعديلات جوهرية على التصاميم الأصلية دون الحصول على التراخيص الإدارية اللازمة، ما يكشف، وفق تقارير التفتيش، طابعا ممنهجا لهذه التجاوزات في بعض المشاريع، وبالتالي تغليبا لمنطق تعظيم الأرباح على حساب احترام الضوابط القانونية والعمرانية والبيئية.
وفي الشأن ذاته، سجلت ذات التقارير وجود اختلالات مرتبطة بالتلاعب في الطوابق السفلية والقبوات، وإحداث مداخل إضافية غير مرخصة، فضلا عن تجاوز الارتفاعات القانونية المسموح بها، سواء داخل مجمعات سكنية أو بنايات ذات استعمال تجاري، في مخالفة صريحة للمقتضيات التنظيمية لتصاميم التهيئة. ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات المراقبة والتتبع.
كما سجلت المفتشية وجود مخالفات صريحة ذات صلة بالتصاميم الطوبوغرافية، متصلة بتشييد بنايات فوق تضاريس غير ملائمة للبناء، أو داخل مناطق مصنفة مجالات محمية أو ذات حساسية بيئية وهندسية عالية، في تعارض واضح مع معايير السلامة والتخطيط الحضري.
كما تم الوقوف على حالات جرى فيها الترخيص لإقامة محولات كهربائية ومنشآت تقنية داخل مناطق يمنع فيها البناء، في خرق صريح للقوانين التنظيمية ومعايير السلامة، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لأمن السكان وسلامة المنشآت، خصوصا في مناطق تعرف هشاشة في التربة أو قابلية مرتفعة للانزلاق والانهيار.
إلى جانب ذلك، جرى رصد إغلاق مساحات خضراء مخصصة للعموم وتحويلها إلى ممرات أو مداخل خاصة، مع وضع حواجز تعيق حركة السير والتنقل داخل الأحياء السكنية، في مساس واضح بالحق في الولوج إلى الفضاءات العمومية وجودة العيش الحضري.
وأكدت التقارير ذاتها، أن هاته التعديلات لم تكن منصوصا عليها في تصميم الكتل المعدل، ما يعكس سعيا واضحا من بعض الشركات لإعادة توزيع الفضاءات بما يخدم مصالحها التجارية الضيقة، على حساب المصلحة العامة واحترام قواعد التهيئة الحضرية.
تعيد هاته المعطيات إلى الواجهة، سؤال فعالية آليات المراقبة والزجر في مجال التعمير، ومدى مسؤولية مختلف المتدخلين في حماية النسيج العمراني. فضلا عن قدرة الإطار القانوني الحالي على ردع المخالفين وضمان تنمية حضرية متوازنة تحترم القانون وتصون سلامة المواطنين. كما تطرح مسؤولية الجماعات الترابية والسلطات المحلية في تتبع احترام تصاميم التهيئة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، انسجاما مع مقتضيات “دستور 2011” الذي يكرس الحكامة الجيدة وحماية المصلحة العامة.
