الجريدة العربية – الرباط
أطلق المغرب، يوم الخميس 3 شتنبر 2026، الخطة الوطنية للصحة النفسية في أفق سنة 2030، في خطوة ترمي إلى إعادة هيكلة منظومة الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي لفائدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية.
وتقوم هذه الخطة على تصور يجعل الصحة النفسية جزءاً من سياسة عمومية متعددة القطاعات، مرتبطة بمختلف السياسات العمومية، ومبنية على مقاربة ترابية وإجراءات محددة وقابلة للقياس والتقييم.
وأوضح وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، خلال ندوة صحفية لتقديم الخطة، أن الاستراتيجية الجديدة تهدف إلى الارتقاء بالصحة النفسية إلى مستوى سياسة عمومية متكاملة، من خلال برامج دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس تمكن من تتبع نتائجها.
وتكشف المعطيات المقدمة حجم التحدي، إذ يقدر عدد المغاربة الذين يعانون من اضطرابات في مجال الصحة النفسية بنحو 6.5 ملايين شخص، من بينهم حوالي مليوني طفل وشاب دون سن 25 عاماً.
كما تمثل الاضطرابات النفسية واحدة من أبرز أسباب الإعاقة، حيث تساهم، وفق المعطيات المقدمة، في 22.3 في المائة من سنوات الحياة التي يعيشها الأشخاص مع العجز.
وفي المقابل، لا تزال قدرات المنظومة الصحية محدودة، إذ لا يتجاوز عدد الأسرة المخصصة للطب النفسي حالياً 6.7 أسرة لكل 100 ألف نسمة، مقابل 1.5 طبيب نفسي لكل 100 ألف نسمة، في حين لم يكن القطاع العمومي يتوفر سوى على حوالي ثلاثين أخصائياً نفسياً.
وتقدر الفجوة العلاجية، أي نسبة الأشخاص الذين يحتاجون إلى التكفل النفسي ولا يحصلون عليه، بنحو 85 في المائة.
17 مستشفى للأمراض النفسية و4728 سريراً
تتضمن الخطة الجديدة تعزيزاً مهماً للعرض الصحي المتخصص، من خلال رفع عدد مستشفيات الأمراض النفسية من 10 حالياً إلى 17 مستشفى في أفق 2030.
كما يرتقب أن يرتفع عدد البنيات الوسيطة من 4 إلى 24 بنية، فيما ستتضاعف تقريباً الطاقة الاستيعابية للأسرة، لتنتقل من 2466 سريراً حالياً إلى نحو 4728 سريراً.
وتولي الخطة أهمية خاصة للموارد البشرية، من خلال رفع عدد الأخصائيين النفسيين في القطاع العمومي من 32 إلى 786، وزيادة القدرة السنوية على تكوين الأطباء النفسيين من 36 إلى 124 طبيباً، فضلاً عن رفع عدد الممرضين المتخصصين في الصحة النفسية الذين يتم تكوينهم سنوياً من 490 إلى 750 ممرضاً.
كما تتضمن الخطة وضع إطار قانوني منظم لمهنة الأخصائي النفسي.
ثلاثة محاور أساسية
تتمحور الاستراتيجية الوطنية الجديدة حول ثلاثة مجالات رئيسية؛ يتعلق الأول بتعزيز الصحة النفسية والوقاية والكشف المبكر عن الاضطرابات، ولا سيما لدى الأطفال والشباب.
أما المحور الثاني فيركز على إتاحة علاج نفسي ذي جودة وفي المتناول، من خلال مسار متواصل يبدأ من الرعاية الأولية ويمتد إلى إعادة التأهيل.
ويخصص المحور الثالث لـإعادة الإدماج والإدماج الاجتماعي للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، بما يضمن عدم اقتصار العلاج على الجانب الطبي فقط.
الشباب في صلب الوقاية
ويتضمن محور الوقاية 19 إجراءً، من بينها تعزيز الوقاية من اضطرابات النمو النفسي والعاطفي لدى الأطفال، وإقرار الكشف المبكر بشكل منهجي عن مشكلات الصحة النفسية خلال الفترة المحيطة بالولادة.
كما تشمل الخطة اعتماد أدوات للتقييم النفسي والاجتماعي لفائدة المراهقين داخل فضاءات صحة الشباب والمراكز الاستشفائية الجامعية، بهدف تحديد عوامل الخطر ورصد مؤشرات الضيق النفسي في مراحل مبكرة.
إحداث “سامو” متخصص في الأزمات النفسية
ويتضمن محور تنظيم العلاج، الذي يضم 37 إجراءً، تعميم خدمات الطب النفسي الاستشفائية على مختلف الأقاليم والعمالات، إلى جانب ضمان توفر الأدوية النفسية الأساسية على مستوى مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، للحد من انقطاع العلاجات.
كما تنص الخطة على تعميم وحدات الاستشارة الخارجية للصحة النفسية لفائدة الأطفال والبالغين، فضلاً عن إحداث وحدات “الأم والطفل” بطاقة تتراوح بين 5 و10 أسرة داخل مصالح الولادة في عدد من المستشفيات العامة، وخاصة المراكز الاستشفائية الجامعية والجهوية.
ومن بين الإجراءات الجديدة أيضاً تصميم نظام للتدخل في الأزمات النفسية، مندمج ضمن منظومة الإسعاف الطبي الاستعجالي، تحت صيغة “سامو نفسي” للتعامل مع الحالات التي تتطلب تدخلاً سريعاً ومتخصصاً.
إعادة الإدماج جزء من العلاج
وتسعى الخطة كذلك إلى جعل إعادة الإدماج مكوناً أساسياً في مسار التكفل، من خلال الاعتراف بمفهوم الإعاقة النفسية والحقوق المرتبطة بها، خاصة في مجالات الشغل والسكن والدخل والاستفادة من المساعدة القانونية.
كما تتضمن إطلاق برنامج متعدد القطاعات لإعادة التأهيل والمساعدة على الإدماج الاجتماعي لفائدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية ويعيشون في أوضاع هشاشة شديدة، خصوصاً الأشخاص من دون مأوى أو الذين يعانون من انقطاع الروابط الاجتماعية.
4 مليارات درهم لتمويل الخطة
وخصص لتنفيذ الخطة الوطنية للصحة النفسية تمويل يقارب 4 مليارات درهم، بهدف مواكبة مختلف الإجراءات والبرامج المقررة إلى غاية سنة 2030.
وتستهدف الاستراتيجية رفع حصة النفقات العمومية المخصصة للصحة النفسية إلى 5 في المائة من إجمالي الإنفاق العمومي على الصحة، مقابل 1.2 في المائة حالياً.
كما تتطلع إلى بلوغ نسبة 98 في المائة من تغطية التأمين الإجباري عن المرض (AMO) للمصاريف المرتبطة بالاضطرابات النفسية والإدمانية.
وتشكل هذه الخطة، وفق الأهداف المعلنة، محاولة لإعادة بناء منظومة الصحة النفسية على أساس الوقاية والكشف المبكر والعلاج المستمر وإعادة الإدماج، مع التركيز بشكل خاص على الأطفال والشباب وتعزيز الموارد البشرية والبنيات المتخصصة.
