الشيخ علال سعيد العليوي: من مقاومة الاستعمار إلى حكمة البناء في ذاكرة عين السبيت

الجريدة العربية -مكتب الرباط


في ذاكرة عين السبيت، حيث تمتزج رائحة التراب بندى الصباح وتتعانق الحقول مع صبر الرجال، ينهض اسم الشيخ علال سعيد العليوي كعلامة مضيئة في سجل الرجال الذين صاغوا المعنى قبل أن يتركوا الأثر. اسمه الحقيقي علي بن علي بن أحمد بن مصطفى، ازداد سنة 1919 بأولاد علي، وهناك تشكّلت ملامح شخصيته الأولى: صلابةٌ من الأرض، وصدقٌ من البادية، وعنادٌ يشبه سنابل القمح حين ترفض الانكسار.


منذ شبابه، لم يكن رجلاً عادياً في زمنٍ استثنائي؛ انخرط في خلية لمقاومة الاستعمار الفرنسي، مؤمناً أن الحرية لا تُورَّث بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُمنح بل تُصان. كان من أولئك الذين يعملون في الظل، بصمتٍ ثقيل، لكن أثره كان أبلغ من ضجيج البنادق.


ومع مطلع الستينيات، حين بدأت البلاد تستعيد إيقاعها بعد الاستقلال، اختار الشيخ علال طريقاً آخر للنضال: نضال البناء. اشتغل في تجارة الحبوب منذ سنة 1964، حاملاً “بطاقة الاعتراف بالتجارة في الحبوب” من المكتب الشريف المهني للحبوب ” ، في زمنٍ كانت فيه الأسواق الأسبوعية مسرحاً للحياة القروية، تُدار فيه الصفقات بالكلمة قبل الميزان، وتُحسم فيه الأثمان بالثقة قبل الأرقام. كان يعرف أن القمح ليس مجرد محصول، بل حياة تُقتات، وكرامة تُصان، ومواسم تُبنى عليها آمال الفلاحين.
لم يكن تاجراً فقط، بل كان وسيطاً بين الأرض وأهلها، بين الحاجة والوفرة، بين المواسم القاسية وسنوات الخصب. وفي هذا الدور، صقل حسه الاجتماعي، فصار قريباً من الناس، عارفاً بأحوالهم، حاضراً في أفراحهم كما في ضيقهم.


سنة 1966، انتقل إلى منطقة الغرب رفقة ابنه محمد، حيث عُيّن هذا الأخير مسيّراً لإحدى الضيعات الفلاحية. استدعي لأن يتولى مهمة شيخ القبيلة بمسقط رأسه، فآثر الرجوع إلى عين السبيت سنة 1968، وكأن الأرض التي أنجبته كانت تناديه ليؤدي دوراً أكبر. عاد… لا كعائدٍ فقط، بل كشيخ.
تولى مهمة الشيخ على أولاد علي (2) بعين السبيت، إلى جانب الشيخ العنيزي المراكشي والشيخ التهامي أولاد علي (1)، رحمهم الله جميعا، في مرحلة كانت فيها البلاد تعيد ترتيب نفسها، وتبحث عن توازنٍ بين إرث القبيلة وبناء الدولة. كان الشيخ آنذاك أكثر من مجرد لقب؛ كان موقعاً دقيقاً بين السلطة والمجتمع، بين القانون والعرف، بين الدولة والناس.


في بدايات الدولة الوطنية، لعب الشيخ علال دور الوسيط الحكيم: ينقل قرارات الإدارة، ويصغي في المقابل لنبض الساكنة. كان حارساً للاستقرار، يفك النزاعات بحكمة، ويُطفئ نيران الخلاف قبل أن تتحول إلى رمادٍ ثقيل. لم يكن صوته عالياً، لكنه كان مسموعاً؛ ولم يكن سلطوياً، لكنه كان حازماً.


كان يدرك أن الزمن يتغير، وأن سلطة الشيخ لن تبقى كما كانت، لكنّه تعامل مع هذا التحول بوعيٍ نادر: حافظ على جوهر الدور، وتكيّف مع شكله الجديد. فساهم، إلى جانب غيره، في تعبئة السكان للمشاريع الجماعية، من شق الطرق إلى دعم المبادرات المحلية، مؤمناً أن التنمية ليست قراراً فوقياً، بل روحاً جماعية.


وفي لحظة وطنية فارقة، كان ضمن اللجنة المحلية لتسجيل المتطوعين للمشاركة في المسيرة الخضراء، تلك الملحمة التي اختبرت عمق الانتماء، وأعادت رسم معنى الوحدة. هناك، كما في غيرها من المحطات، كان حاضراً… لا في الواجهة، بل في العمق.
سياسياً، كان استقلالياً حتى النخاع، لا كشعارٍ يُرفع، بل كقناعةٍ تُعاش. انتمى إلى الفكرة قبل التنظيم، وإلى الوطن قبل الحسابات.


أما على المستوى الإنساني، فقد كان مزيجاً نادراً: حاد الطبع، صارم النظرة، لكن قلبه كان يفيض كرماً وسخاء. يُهاب في المواقف، ويُحب في المجالس. قد يبدو قاسياً في الظاهر، لكنه يحمل في داخله إنساناً رقيقاً يعرف كيف ينحاز للضعيف، وكيف يُكرم الضيف، وكيف يعطي دون أن ينتظر مقابلاً.
رحل سنة 1990، ووري الثرى بمقبرة سيدي مهدي، تاركاً خلفه فراغاً لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر. حزن عليه معارفه لا لأنه كان شيخاً فقط، بل لأنه كان إنساناً نادراً في زمنٍ بدأ يفتقد أمثاله.


هكذا يبقى الشيخ علال سعيد العليوي… سيرة رجلٍ عبر من زمن المقاومة إلى زمن البناء، ومن تجارة الحبوب إلى هندسة العلاقات، ومن صرامة الشيخ إلى إنسانية القلب. رجلٌ لم يكن يبحث عن الخلود، لكنه استحقه… في ذاكرة الناس.

Exit mobile version