السلطات المغربية تحرر الشواطئ : صيف 2025… صيف السيادة على الفضاء العمومي وإنهاء كابوس مؤرق

الجريدة العربية – تحقيق استقصائي

منذ الأسابيع الأولى لصيف 2025، تشهد الواجهة الساحلية المغربية على امتدادها من الشمال إلى الجنوب، زلزالًا تنظيميا غير مسبوق، تقوده السلطات المغربية بكل حزم من أجل استعادة هيبة القانون وتحرير الملك العمومي البحري من براثن الفوضى والابتزاز الموسمي.

بعيدًا عن الشعارات، وعلى أرض الواقع، تحولت التعليمات الوزارية إلى عمليات ميدانية صارمة، يقودها الولاة والعمال بتفويض مباشر من وزارة الداخلية، مدعومين بالقوات العمومية والسلطات المحلية. الهدف واضح، وهو إعادة الشواطئ إلى المواطنين، وإسقاط منظومة غير شرعية ترعرعت في الظل لسنوات، وحوّلت الفضاءات العامة إلى مشاريع تجارية تستنزف جيوب المصطافين وتخنق الحريات.

المشهد على السواحل المغربية هذا الصيف مختلف كليًا. فالشمس لا تشرق فقط على أمواج البحر، بل أيضًا على إرادة دولة فرضت النظام بقوة القانون، وواجهت جيوب مقاومة ترسخت باسم “الحق المكتسب”. في طنجة، بقيادة الوالي يونس التازي، انطلقت الحملات على شواطئ غندوري ومالاباطا، وفي المضيق–الفنيدق، أشرف العامل ياسين جرى على تطهير مارينا سمير ومرتيل والريستينغا من مظلات وكراسٍ ومرافق تم تثبيتها خارج أي إطار قانوني.

لم تعد الرمال حكرًا على فئة دون أخرى، ولم يعد الظل يُشترى. أصبح الحق في الترفيه وولوج الشواطئ مكفولًا للجميع دون رسوم مفروضة بالقوة، ودون استغلال احتياجات الأسر المغربية. لقد أسقطت الدولة قناع “الاستغلال الموسمي” الذي ظل يتحصن به بعض أصحاب المصالح، واسترجعت الفضاءات العامة بقوة مؤسساتها، ومشروعية تدخلها.

بعيدًا عن الشمال، وفي جهات أخرى كـ دار بوعزة، وتاماريس، وإمسوان، وسيدي عبد الرحمان، جرى توجيه إنذارات رسمية، وتفكيك منشآت غير قانونية، بل وحتى إجبار بعض الفاعلين السياحيين على إخلاء المجال العمومي فورًا. أسماء معروفة مثل “Sunny Beach” و”Malibu Beach” لم تكن بمنأى عن قبضة القانون، في رسالة مفادها: لا أحد فوق القانون، ولو كان له جمهور أو زبناء.

وإن كان البعض يعتبر أن الحملة يجب أن تراعي بعض الاعتبارات الاجتماعية للمتضررين، فإن الغالبية الساحقة من المواطنين عبّرت عن ارتياحها الكبير، معتبرة أن ما وقع ليس فقط تنظيفًا لرمال الشواطئ، بل تطهيرًا لذاكرة المواطن من مظاهر الإذلال التي كان يتعرض لها كل صيف. لقد استعاد الناس شيئًا من كرامتهم، حين جلسوا على الشاطئ دون أن يُطلب منهم “ثمن المظلة”، أو دون أن يُهددوا بالطرد من “مساحة محجوزة سلفًا”.

تحقيقات ميدانية للجريدة العربية في شواطئ الدار البيضاء

وفي هذا السياق، قامت الجريدة العربية بزيارات ميدانية إلى عدد من شواطئ مدينة الدار البيضاء، خاصة شاطئ عين الذياب وشاطئ مدام شوال، حيث رصد طاقمنا تجاوبًا متفاوتًا مع الحملة الوطنية. ففي شاطئ عين الذياب، لوحظ انخفاض نسبي في عدد المظلات العشوائية، مع تعزيز حضور رجال السلطة المحلية ومراقبة صارمة للنشاط التجاري غير المرخص. أما في شاطئ مدام شوال، فرغم وجود بعض التجاوزات من طرف باعة موسميين، فإن السكان المحليين عبّروا عن ارتياحهم لبدء السلطات في التعامل مع الاختلالات، داعين إلى مزيد من الحزم خصوصًا في نهاية الأسبوع، حين تزداد حدة الفوضى. بعض المصطافين أشاروا إلى “عودة الحياة إلى الشاطئ”، حيث بات بإمكانهم الجلوس بكل حرية، دون تهديد أو مضايقة من أي طرف.

ولأن المغرب ليس جزيرة معزولة، فإن هذه الحملة تتقاطع مع موجة من السياسات الجديدة نهجتها الدولة في إطار سياسة حماية البيئة وضمان الإنصاف الاجتماعي في الولوج إلى البحر.

لكن ما يميز التجربة المغربية هو أنها ليست مجرد رد فعل موسمي، بل مشروع متكامل لفرض سيادة الدولة على ملكها العمومي، ومعالجة جذرية لاختلالات امتدت لسنوات. إنه درس في الحوكمة الحازمة، وإشارة إلى أن عهداً جديداً قد بدأ، حيث لا تهاون مع من يعبث بحقوق المواطنين، ولو بذرائع “لقمة العيش” التي تُستعمل أحيانًا كستار للابتزاز والتربّح.

الجريدة العربية، إذ تواكب هذا الحدث الوطني الكبير، تسجل بإعجاب ما تحقق من تحرير، وتدعو إلى استمرارية هذه الدينامية لتشمل جميع الشواطئ المغربية دون استثناء، مع تعزيز بُعد المواكبة الاجتماعية لخلق البدائل الممكنة للمتضررين الحقيقيين لا المتلاعبين بالواقع.

صيف 2025 لم يكن فقط موسمًا بحريًا.. بل لحظة تاريخية لاستعادة السيادة على الفضاء العمومي، وإنصاف المواطن المغربي، الذي يستحق أن يستظل بشمس وطنه، لا تحت مظلات تفرض عليه التسعيرة والسخرة.

Exit mobile version