الدوحة تعلن صوتها للعالم: العرب والمسلمون في جبهة واحدة ضد الغطرسة الصهيونية

الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *

 

لم يكن اجتماع القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة مجرد لقاء عابر ولا مناسبة بروتوكولية مكرورة من تلك التي اعتادها العالم العربي، بل كان فعلًا سياسيًا ثقيلًا حمل بين طياته مواقف صريحة وحاسمة، وأطلق رسائل قوية في مواجهة الغطرسة الصهيونية التي استباحت كل الأعراف وتجاوزت كل القوانين، ليس فقط في عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني الأعزل، بل أيضًا في استهدافها الوقح لدولة قطر، رمز السيادة العربية وملاذ القرار المستقل في منطقة ينهشها الاضطراب. لقد أراد العرب والمسلمون من خلال هذه القمة أن يقولوا بصوت واحد إن زمن التردد قد ولى، وإن المعركة اليوم ليست معركة حدود ضيقة، بل معركة وجود ومصير مشترك، قوامه حماية الكرامة وصون الاستقرار ورفع راية السيادة فوق كل الحسابات.

رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي، لم يكتف بترحيب بروتوكولي ببيان القمة، بل حمّله صبغة الموقف التاريخي الذي يعلو على اللحظة العابرة. في كلماته إصرار على أن ما جرى في الدوحة ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو انبعاث لروح عربية إسلامية ترفض الانحناء وتعلن بجلاء أن العدوان الصهيوني على قطر والفلسطينيين معًا ليس شأنًا إقليميًا محدودًا، بل هو استهداف شامل للأمة برمتها. كان حديثه صريحًا في التأكيد على أن التضامن العربي والإسلامي مع قطر في وجه العدوان ليس خيارًا تكتيكيًا، بل هو فرض تُمليه وحدة الدم والقدر والمصير.

القمة، في وثيقتها الختامية، نطقت بما عجز عنه كثيرون من قبل، إذ سمّت الأمور بمسمياتها وفضحت جرائم الاحتلال باعتبارها حرب إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا مكتمل الأركان، ودعت المجتمع الدولي بلهجة الأمر لا الرجاء إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية لوقف هذه الممارسات ومحاسبة مرتكبيها أمام محاكم العدالة الدولية. إنها لهجة جديدة، صارمة، كسرت جدار الصمت الذي حاولت بعض القوى فرضه، وأكدت أن العالمين العربي والإسلامي قادران، إذا اتحدا، على أن يكونا كتلة صلبة في وجه الغطرسة، وأن يفرضا أجندتهما على طاولة العالم.

ما ميّز هذه القمة أنها لم تكتف بإدانة العدوان، بل رسمت أفقًا جديدًا لعلاقات القوة في المنطقة. حين يقول القادة إنهم سيقفون صفًا واحدًا مع قطر ضد أي تهديد يمس سيادتها أو أمنها، فهم لا يوجّهون رسائل تضامن دبلوماسي فحسب، بل يضعون معادلة ردع جديدة عنوانها أن المساس بأي دولة عربية أو إسلامية هو مساس بالجميع. بهذا المعنى، يصبح استهداف قطر نقطة تحوّل في مسار الوعي الجماعي العربي الإسلامي، لأن الدفاع عنها اليوم هو دفاع استباقي عن الذات والكيان والمستقبل.

ولعل الرسالة الأبلغ التي خرجت من الدوحة هي أن الأمة، بكل تناقضاتها وتبايناتها، قادرة حين تستشعر خطر وجودي أن تتجاوز حساباتها الضيقة لتعلن اصطفافها في جبهة واحدة. هذه الرسالة لم تُوجّه فقط إلى الاحتلال الذي يمعن في جرائمه، بل إلى المجتمع الدولي الذي تواطأ طويلاً بالصمت، فإما أن يتحرك وإما أن يتحمل وزر تواطئه أمام التاريخ. إنها لحظة فاصلة تفرض على العالم أن يرى أن العرب والمسلمين ليسوا جموعًا متفرقة تتنازعها الخلافات، بل أمة قادرة على أن تكون صفًا واحدًا إذا استُفزت كرامتها وامتحنت سيادتها.

لقد جاء اجتماع الدوحة ليعلن بجلاء أن معركة العرب والمسلمين اليوم ليست فقط في حدود فلسطين أو على أرض قطر، بل هي معركة كونية على معنى العدالة نفسها. فإذا كان الاحتلال يعتقد أن وحشيته قادرة على إسكات الضحايا، فإن القمة أثبتت أن أصوات العرب والمسلمين قادرة على أن تعلو فوق الضجيج وأن تصل إلى كل العواصم. ومن يقرأ التاريخ يعلم أن اللحظات التي توحدت فيها الأمة، مهما بدا انكسارها في ظاهرها، كانت الشرارة التي بدّلت موازين القوى.

إنه زمن جديد تعلن فيه الدوحة أن الأمة لم تمت، وأنها حين تجتمع حول قضية عادلة، تصبح عصية على الانكسار، وأن الصوت الواحد حين يخرج من ملايين الحناجر يصبح قنبلة سياسية تهز العالم وتفرض على الطغيان أن يعيد حساباته. لقد قال العرب والمسلمون كلمتهم: لا لعدوان الاحتلال، لا لانتهاك السيادة، ولا لمصادرة الحق الفلسطيني. ومن يظن أن هذه الكلمات مجرد شعارات، فليترقب الغد القريب حين يكتشف أن الإرادة حين تتحول إلى موقف جماعي تصبح قوة تفوق في صلابتها كل سلاح.


* مدير النشر ورئيس هيئة التحرير بالجريدة العربية
Exit mobile version