الجريدة العربية – عبد الله مشنون *
في ظل تقلبات المنطقة العربية واشتداد الأزمات التي تعصف بها من ليبيا إلى قطر، ومن أفغانستان إلى أوكرانيا، يبرز ملف الأمن القومي العربي كأحد القضايا الأكثر إلحاحًا وتعقيدًا في وقتنا الراهن. فالهجمات المتكررة، مثل محاولة اغتيال قادة حماس في الدوحة، والتي تزامنت مع عمليات عسكرية في دول عربية أخرى، تُظهر مدى هشاشة الواقع الأمني، وتعكس حاجة ملحة لإعادة التفكير في المفاهيم والاستراتيجيات المتبعة.
الأمن القومي العربي، الذي تأسس فكريًا على فكرة التضامن والاتحاد، ما زال يعاني من واقع الانقسامات والتشتت. رغم تكرار الدعوات إلى بناء منظومة مشتركة للدفاع والتعاون، فإن غياب التنسيق العملي بين الدول يُضعف من قدرات المنطقة في مواجهة التهديدات، سواء كانت داخلية أو خارجية.
يبقى جوهر التحدي هو تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات التعاون الإقليمي. فمع تباين المصالح بين الدول العربية، ونشوء محاور إقليمية متعددة، تتبدد الرؤية الموحدة، ويتعذر التوصل إلى اتفاقات واضحة وملزمة تعزز الأمن الجماعي.
على الصعيد العسكري، يظل الكيان الإسرائيلي التهديد الأكبر والأكثر تعقيدًا، ليس فقط بسبب القوة العسكرية والتقنية التي يمتلكها، بل بسبب تحالفاته الاستراتيجية التي تمنحه تفوقًا نوعيًا، وإمكانياته في التأثير على السياسات الإقليمية والعالمية. كما أن استمرار النزاعات المسلحة والتدخلات الأجنبية في مناطق مثل سوريا واليمن وليبيا يعمّق حالة عدم الاستقرار ويزيد من تحديات الأمن القومي العربي.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض النجاحات في التعاون الأمني، حيث تشهد بعض الدول تعاونًا في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ تدريبات مشتركة، وإدارة أزمات أمنية محددة مثل مكافحة الإرهاب. هذه الخطوات تشير إلى إمكانية بناء إطار أمني أكثر تنسيقًا وفعالية، لكنها تظل قاصرة دون دعم سياسي حقيقي ورؤية استراتيجية واضحة.
من جانب آخر، فإن التطورات السياسية الأخيرة، كاتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، تطرح تساؤلات حول مستقبل مفهوم الأمن القومي العربي. فهل يمكن بناء أمن مشترك في ظل توترات وتباينات في المواقف تجاه القضية الفلسطينية؟ أم أن هذا الواقع الجديد يدفع نحو إعادة تشكيل مفهوم الأمن بما يتماشى مع التحولات السياسية؟
الأمن القومي العربي ليس مجرد هدف سياسي، بل هو ضرورة استراتيجية تحمي المصالح الحيوية لشعوب المنطقة. ويتطلب ذلك شجاعة في اتخاذ القرارات، ومرونة في تجاوز الخلافات، والتزامًا جماعيًا بتحقيق الاستقرار والتنمية.
في النهاية، التحدي الأكبر يكمن في تحويل الخطابات إلى سياسات عملية، تجعل من الأمن القومي العربي مشروعًا قابلاً للتنفيذ، يعكس حقيقة الوحدة والتعاون، ويضع حداً للتدخلات الخارجية والنزاعات الداخلية.
إن بناء أمن عربي مشترك، يستند إلى الثقة والاحترام المتبادل، سيكون أحد أهم الضمانات لتحقيق السلام والتنمية في المنطقة، ويعكس إرادة شعوبها في استعادة دورها الفاعل على الساحة الدولية.
