إطلاق مبادرات شبابية لفك عزلة مناطق متضررة ب”تازة” أمام تباطؤ السلطات عن القيام بالواجب

الجريدة العربية – محمد حميمداني


في غياب تدخلات رسمية عاجلة، أطلق شباب منتمون لعدد من دواوير عمالة “إقليم تازة” حملات تطوعية لفتح المسالك الطرقية وإزاحة الأحجار والأتربة التي جرفتها السيول من المرتفعات الجبلية، والتي تسببت في عزل ساكنة مناطق قروية وعرقلة حركة السير نحو المراكز الحضرية.

جاء إطلاق هاته المبادرات تزامنا مع موجة التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدها الإقليم، خلال الأيام الأخيرة، التي رفعت منسوب الأنهار والأودية، ما خلف أضرارا مادية جسيمة وأوضاعا صعبة للساكنة نتيجة حدوث انجرافات ترابية أغلقت مسالك حيوية، الأمر الذي صعب ولوج الساكنة إلى الخدمات الأساسية، خاصة التطبيب والتموين.

وهكذا، وفي ظل تأخر تدخل الآليات التابعة للجماعات الترابية للتعامل مع هاته الأوضاع الصعبة، بادر متطوعون للقيام بهاته المهام اعتمادا على وسائل بدائية وإمكانيات ذاتية، في محاولة منهم لفك العزلة عن مجموعة من الدواوير وضمان مرور المركبات، وتسهيل تنقل الراجلين، خصوصا في ظل الحاجة الملحة للخدمات الأساسية.
وسائل بدائية وإيمان بروح التطوع والتضامن

شكلت الخطوة وعيا مجتمعيا بضرورة الاعتماد على الإمكانات والإرادات الشبابية لتدبير الأزمة أمام تباطؤ التدخلات الرسمية، حيث اعتمد المتطوعون على أدوات يدوية وإمكانيات ذاتية، من معاول ومجارف، لإعادة فتح الطرق القروية وتأمين مرور المركبات، وتسهيل تنقل الراجلين.

وفي هذا السياق، قال أحد المشاركين في العملية: “تحركنا لأن الوضع كان مستعجلا، والساكنة في حاجة لفتح الطريق”.

تباطؤ التدخلات الرسمية يثير تساؤلات

لم تكن هاته المبادرات التي تم إطلاقها الأولى من نوعها التي يشهدها تراب الإقليم، إذ عرفت عدة دواوير إطلاق حملات تلقائية منظمة قادها أبناء المنطقة تجسيدا منهم لروح المسؤولية والانتماء والتضامن، في وقت أثار تباطؤ التدخلات الرسمية للتعامل مع هذا هاته الأوضاع الصعبة آلاف الأسئلة.

تباطؤ عزاه البعض لسياسة التهميش المتعمدة المنتهجة في التعامل مع مناطق معينة، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية الجماعات الترابية لمواجهة الطوارئ الطبيعية التي تتطلب استجابة فورية للحد من الخسائر وحماية أرواح المواطنين وضمان سلامتهم الصحية والأمنية. كما أنه يعد اختبارا فعليا لمدى جاهزية خطط الطوارئ المعتمدة وطنيا على صعيد الإقليم، خاصة وأن المناطق الجبلية ب”تازة” تُعد من بين أكثر المناطق عرضة للانجرافات بسبب طبيعتها الجيولوجية.

فك العزلة بين العمل التطوعي والتباطؤ الرسمي وقوة القانون

يحدد “القانون التنظيمي رقم 113.14″، المتعلق بالجماعات الترابية، اختصاص المجالس الجماعية في مجال الوقاية من المخاطر الطبيعية وصيانة الطرق والمسالك القروية، كما يحملها مسؤولية التدخل الاستعجالي لحماية السكان.
وفي هذا السياق، يمنح ذات القانون، لا سيما المواد 83، 92 و100 منه، للمجالس الجماعية صلاحيات واسعة، كاختصاصات ذاتية في الوقاية من المخاطر الطبيعية، ضمنها الفيضانات والسيول، صيانة الطرق والمسالك القروية وتدبير التدخل الاستعجالي لحماية الساكنة.

كما يؤكد “الفصل 21 من دستور 2011″، التزام السلطات العمومية بضمان سلامة المواطنين وسلامة التراب الوطني، وحماية حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، ضمن إطار دولة القانون، ما يجعل سرعة الاستجابة عنصرا جوهريا في تدبير الأزمات.

تجدر الإشارة إلى أن معطيات رسمية افادت بأن الفيضانات والانجرافات تمثل أبرز المخاطر الطبيعية بالمغرب، خاصة بالمناطق الجبلية. كما أن تقريرا صادرا عن وزارة الداخلية بالمغرب أكد إجلاء أكثر من 143 ألف شخصا بعدة أقاليم، ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية.

التطوع والمسؤولية المؤسساتية

يشدد متتبعون للشأن المحلي على أن المبادرات الشبابية يجب أن تظل مكملة للجهود الرسمية، لا أن تصبح بديلا عنها. فالتدخل في حالات الطوارئ يندرج ضمن اختصاصات الجماعات الترابية والسلطات الإقليمية، لأنه يستلزم استخدام معدات تقنية وآليات ثقيلة لا يمكن توفيرها بوسائل ذاتية.

كما أن هذا التطوع الجماعي يعكس قيم التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي، حيث يتحول المواطن لفاعل ميداني يسهم في مواجهة آثار الكوارث الطبيعية، في اختبار حقيقي لقدرة الإنسان المغربي على الصمود والتفاعل مع التحديات المناخية المتزايدة.

في هذا السياق، برزت مطالب بدعم هذه المبادرات عبر توفير معدات ولوجستيك ملائم، وتعزيز التنسيق بين الفاعلين المحليين والسلطات المختصة، بما يكرس مقاربة تشاركية حقيقية في مواجهة الكوارث الطبيعية.

فبين تضامن المجتمع المحلي وانتظار التدخل الرسمي، يبقى الرهان معقودا على تسريع الاستجابة وتعزيز الجاهزية، تفاديا لتكرار مشاهد العزلة في كل موسم مطري. فغياب التدخل الرسمي السريع يفرغ مفهوم المسؤولية من مضمونه، ويضاعف من معاناة الساكنة، خاصة في المناطق النائية.

Exit mobile version