“أوراق الفلاح الأخير”… رواية مغربية جديدة تعيد الاعتبار للأرض ولصوت الفلاح

الجريدة العربية

في زمنٍ تتجه فيه الرواية المغربية إلى المدن الكبرى وأسئلة الهوية والهجرة والذاكرة، يختار الكاتب والصحفي المغربي بوحافة العرابي أن يعود بالقارئ إلى قلب القرية المغربية، حيث تبدأ الحكايات من التراب، وتُقاس الحقيقة بظل شجرة زيتون، وبمجرى ساقية، وبخطوات فلاح لم يغادر أرضه قط.

بروايته الجديدة “أوراق الفلاح الأخير”، يقدّم العرابي عملًا روائيًا يجعل من الأرض شخصية رئيسية، ومن التنمية سؤالًا أخلاقيًا، ومن الفلاح إنسانًا يحمل رؤية للحياة لا مجرد صاحب قطعة أرض. إنها رواية تنطلق من واقعة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المغرب المعاصر، وهي قضية الأراضي الجماعية والسلالية، والعلاقة الدقيقة بين حق التنمية وحق الذاكرة، وبين سلطة القانون وشرعية الأرض.

بوحافة العرابي ليس اسمًا جديدًا في المشهد الإعلامي المغربي، فهو صحفي وكاتب مغربي مقيم بإيطاليا، درس القانون بكلية الحقوق التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، قبل أن يشتغل في إدارة السجون، ثم ينتقل إلى العمل الصحفي والإعلامي. ويبدو أن هذا المسار المتعدد ترك أثره الواضح في كتابته؛ إذ تجمع الرواية بين الحس القانوني، والدقة الصحفية، والبعد الإنساني، دون أن تفقد روحها الأدبية.

تدور أحداث الرواية في فضاء متخيّل يحمل اسم “الفيلاج”، حيث يعود الصحفي يونس الرداد إلى قريته بعد تجربة مهنية انتهت بالإقصاء، ليؤسس من قلب الهامش منصة إعلامية محلية صغيرة، قبل أن يجد نفسه في قلب ملف شائك يتعلق بمشروع تجزئة عمرانية سيمر عبر أراضٍ سلالية في دوار العرصة. وهناك يلتقي بالرجل الذي سيصبح محور الرواية وضميرها الأخلاقي، امبارك بن عسو، الفلاح الذي لم يكن ضد الطريق، ولا ضد التنمية، بل كان يسأل سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد، هل يمكن للطريق أن تعبر الأرض دون أن تقطع ذاكرتها؟

ومنذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرواية لا تبحث عن صناعة مواجهة تقليدية بين الدولة والفلاح، ولا بين الإدارة والمجتمع. بل تذهب إلى منطقة أكثر تعقيدًا، حيث يصبح الحوار هو البطل الحقيقي، ويصبح الإصغاء جزءًا من الحل. فالدولة، كما تقدمها الرواية، ليست كتلة صماء، كما أن الفلاح ليس رمزًا للرفض المطلق. وبين الطرفين تنشأ مساحة تفاوض إنسانية وقانونية تنتهي بتعديل مسار الطريق، والحفاظ على الساقية، وصون أشجار الزيتون، وتعويض المتضررين، دون أن تفقد الرواية توترها أو بعدها النقدي.

ومن أبرز عناصر قوة العمل، قدرته على تحويل تفاصيل تبدو عادية إلى رموز روائية عميقة. فالساقية ليست مجرد مجرى للماء، بل ذاكرة جماعية، والطريق ليست مجرد إسفلت، بل سؤال عن الكيفية التي نعبر بها نحو المستقبل. أما شخصية امبارك بن عسو، فتغادر حدود الرواية لتتحول إلى صورة للفلاح المغربي الذي يدافع عن أرضه دون ضجيج، ويتمسك بحقه دون أن يتحول إلى خصم للتنمية.

وتمنح الرواية مساحة مهمة للصحافة من خلال شخصية يونس الرداد، الذي لا يؤدي دور الراوي فقط، بل يصبح شاهدًا على التحولات التي يعرفها المجتمع القروي. فالمقالات التي يكتبها ليست مجرد تغطية إعلامية، بل محاولة لحفظ ذاكرة جماعية قد تضيع بين الملفات الإدارية والقرارات الرسمية. وهنا تطرح الرواية سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل وظيفة الصحافة أن تكتفي بنقل الوقائع، أم أن عليها أيضًا أن تحفظ أثر الإنسان داخلها؟

وتتميز “أوراق الفلاح الأخير” بلغة تجمع بين الفصحى الرصينة في السرد، والدارجة المغربية في الحوارات، في توازن يمنح الشخصيات صدقًا كبيرًا، ويجعل القارئ يشعر بأنه يعيش داخل الدوار، لا أنه يقرأ عنه من بعيد. كما يعتمد الكاتب بناءً سرديًا متدرجًا، تتحول فيه الوثيقة الإدارية إلى عنصر روائي، ويصبح المحضر، والخريطة، والاجتماع، والتوقيع، أدوات لبناء التشويق، لا مجرد تفاصيل تقنية.

وتبلغ الرواية ذروتها الإنسانية في نهايتها المؤثرة، حين يرحل امبارك بن عسو قبل أن يوقّع، تاركًا وراءه سؤالًا أكبر من حياته نفسها. فالرجل الذي لم يوقّع، كان في الحقيقة صاحب الأثر الأكبر في تغيير المشروع، لأن صوته دفع الجميع إلى إعادة التفكير في معنى التنمية. وهكذا لا ينتصر على الدولة، ولا تنتصر الدولة عليه، بل ينتصر الحوار على القطيعة، والفهم على الاستعجال، والإنسان على منطق الأرقام.

ولا تبدو النهاية مجرد خاتمة لحكاية، بل تأمل عميق في معنى البناء ذاته. فالطريق تُنجز، والماء يواصل جريانه، والأرض تحتفظ بذاكرتها، بينما تبقى كلمات يونس الرداد تلخص فلسفة الرواية بأكملها: “التنمية ليست سرعة… التنمية فهم”.

تأتي “أوراق الفلاح الأخير” في لحظة يزداد فيها النقاش حول التنمية المجالية، والأراضي الجماعية، والعدالة الترابية، لتقدم الأدب باعتباره فضاءً للحوار لا للمرافعة، وللتأمل لا للشعارات. وهي، في الآن نفسه، تقدم القارئ إلى صوت روائي جديد استطاع أن يحول ملفًا إداريًا إلى عمل أدبي، وأن يجعل من قرية صغيرة صورة مكبرة لأسئلة وطن بأكمله.

بهذا الإصدار، يعلن بوحافة العرابي دخوله إلى عالم الرواية من باب واسع، مستفيدًا من تجربته في القانون والإدارة والصحافة، ليقدم نصًا يزاوج بين الواقعية الاجتماعية والبعد الإنساني، ويؤكد أن الأدب لا يزال قادرًا على مساءلة الواقع، وصون الذاكرة، وإعادة الاعتبار لمن ظلوا طويلًا خارج دائرة السرد.

قد تبدو “أوراق الفلاح الأخير” رواية عن طريق شُقّت في قرية، لكنها في جوهرها رواية عن الإنسان حين يختار أن يحمي الأرض دون أن يعادي المستقبل، وعن وطن لا تكتمل تنميته إلا عندما يسمع أصوات الذين يحرثون ترابه قبل أن تُرسم فوقه الخرائط.

Exit mobile version