نهاية الحقبة الفرنسية في الأبناك المغربية.. رأس المال الوطني يفرض هيمنته على القطاع المالي

الجريدة العربية

يشهد القطاع البنكي المغربي تحولًا تاريخيًا غير مسبوق، بعد إعلان مجموعة “هولماركوم” المغربية استحواذها على 67% من أسهم البنك المغربي للتجارة والصناعة، المملوك سابقًا للمجموعة الفرنسية BNP Paribas، في خطوة تؤشر على نهاية عقود من الحضور الفرنسي القوي داخل منظومة الأبناك التجارية بالمملكة.

هذه الصفقة لا تمثل مجرد عملية مالية عادية، بل تعكس تحوّلًا عميقًا في موازين القوة الاقتصادية داخل المغرب، حيث بات رأس المال الوطني يمتلك القدرة الكاملة على قيادة المؤسسات البنكية الكبرى وإدارة القطاع وفق رؤية مغربية خالصة، بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للمجموعات الأوروبية.

ويأتي هذا التطور ضمن موجة انسحاب متواصلة للأبناك الفرنسية من السوق المغربية والإفريقية، بعدما سبقتها مؤسسات مالية أخرى إلى تقليص حضورها أو مغادرة المنطقة نهائيًا منذ سنة 2018، في مقابل صعود فاعلين مغاربة راكموا خبرة مالية وتنظيمية جعلتهم قادرين على استيعاب هذه المؤسسات وضمان استمرارية نشاطها دون اضطرابات.

العملية الجديدة تمهد كذلك لولادة قطب بنكي ضخم داخل المغرب، عبر الاندماج المرتقب بين البنك المغربي للتجارة والصناعة و”كريدي المغرب”، الذي انتقلت ملكيته بدوره إلى مجموعة هولماركوم سنة 2022. وفي حال تحقق هذا الاندماج، فإن الكيان الجديد سيتوفر على أكثر من 550 وكالة عبر التراب الوطني، ما سيجعله خامس أكبر فاعل بنكي بالمملكة من حيث الحجم والانتشار.

ويراهن المستثمرون المغاربة على تكرار سيناريو النجاح الذي عرفه قطاع التأمين بعد دمج “أطلنطا” و”سند”، من خلال خلق مؤسسة مالية قوية قادرة على المنافسة إقليميًا، وتحقيق توازن بين الربحية والاستقرار المالي.

غير أن هذا التحول الكبير لن يمر دون تحديات معقدة، إذ ينتظر المشروع موافقة بنك المغرب ومجلس المنافسة وهيئات المراقبة المالية، خاصة أن الكيان البنكي الجديد قد يُصنف ضمن “الأبناك ذات الأهمية النظامية”، وهو ما يعني إخضاعه لشروط رقابية واحترازية أكثر صرامة لضمان استقرار المنظومة المالية الوطنية.

إلى جانب التحديات القانونية، تبدو مسألة دمج الثقافات الإدارية والأنظمة الرقمية من أبرز الرهانات المطروحة، خصوصًا أن المؤسسة الجديدة ستجمع بين إرث بنكي فرنسي تقليدي وهيكلة تدبيرية مغربية حديثة تسعى إلى بناء نموذج أكثر استقلالية ومرونة.

ويرى متابعون أن المغرب دخل فعليًا مرحلة جديدة من “السيادة المالية”، لم يعد فيها مجرد سوق تستثمر فيه المؤسسات الأجنبية، بل أصبح فضاءً قادرًا على إنتاج مجموعاته المالية الخاصة وقيادة تحولات مصرفية كبرى على المستوى الإفريقي.

وبين انسحاب النفوذ البنكي الفرنسي وصعود الفاعلين المغاربة، يبدو أن القطاع المالي بالمملكة يعيد رسم خريطته بهدوء، لكن بثقة متزايدة في قدرات الرأسمال الوطني على قيادة المرحلة المقبلة.

Exit mobile version