الجريدة العربية – تمهيد وتنقيح يونس الميشاوي
شهدت مدينة فيرونا صباح يوم السبت 23 ماي 2026، داخل قاعة “Lucchi” المعروفة باحتضانها للفعاليات الفكرية والدبلوماسية، ندوة دولية حملت عنوان: “Autonomia e governance regionalizzata: sguardi incrociati sull’esperienza italiana e la prospettiva marocchina”، ( الحكم الذاتي والحكامة الجهوية: قراءات متقاطعة للتجربة الإيطالية والرؤية المغربية)، وهي محطة جمعت بين الفعل الأكاديمي والنقاش السياسي في مقاربة مقارنة بين نموذجين من الحكامة الترابية: التجربة الإيطالية في الجهوية المتقدمة، والرؤية المغربية في مجال الحكم الذاتي.
اللقاء، الذي نظمته القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا، والذي تميز بحضور وازن من شخصيات دبلوماسية وسياسية وأكاديمية إيطالية ومغربية، شكّل فضاءً مفتوحًا لإعادة التفكير في إدارة التنوع الثقافي واللغوي داخل الدول الحديثة، في ظل التحديات المرتبطة بتعزيز الوحدة الوطنية دون إلغاء الخصوصيات المحلية.
أدار أشغال الندوة الإعلامي الإيطالي أندريا بيرتون، الذي أضفى طابعًا مهنيًا منظمًا على النقاش، في أجواء اتسمت بالهدوء الأكاديمي والانفتاح على تبادل الرؤى.
وفي افتتاح الندوة، قدّم القنصل العام للمملكة المغربية بفيرونا، الأستاذ عبد الإله النجاري، كلمة ترحيبية باسم الدبلوماسية المغربية، نقل فيها اعتذار سفير المملكة عن الحضور بسبب التزامات طارئة. وقد شكّلت مداخلته مدخلًا لمقاربة مقارنة بين التجربة المغربية والإيطالية في تدبير التعدد، حيث أكد أن النموذجين يقومان على فلسفة مشتركة قوامها التوفيق بين احترام الخصوصيات المحلية وصيانة وحدة الدولة. كما أشار إلى أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية أصبحت اليوم إطارًا سياسيًا جادًا يحظى بدعم متزايد على المستوى الدولي، في سياق ترسيخه كحل عملي للنزاع حول الصحراء المغربية.
من جانبه، عبّر عدد من المسؤولين الإيطاليين عن أهمية هذا النوع من اللقاءات في تعزيز التعاون الثنائي بين الرباط وروما. فقد شدد نائب محافظ فيرونا أندريا ميلانا على متانة العلاقات المغربية الإيطالية، وعلى نجاح النموذج الإيطالي في تدبير الجهوية المتقدمة بما يضمن التوازن بين المركز والجهات. كما أكدت مسؤولة إقليم روفيغو السيدة فرانكا تانكريدي أن موضوع الحكم الذاتي بات اليوم من أبرز القضايا التي تفرض نفسها في النقاشات الدولية، بالنظر إلى قدرته على تقديم حلول وسطية للنزاعات ذات البعد الهوياتي والثقافي.
وفي لحظة إنسانية عكست عمق الروابط بين البلدين، استحضر مسؤول الأمن بفيتشنزا فرانشيسكو زيريللي ذكرى حادثة “كاباشي”، مبرزًا أن قيم العدالة واحترام القانون والتعاون الأمني تشكل أرضية مشتركة بين المؤسستين المغربية والإيطالية، في إطار شراكة تتجاوز البعد السياسي نحو بعد إنساني ومؤسساتي.
وفي ذات السياق، قدّم السيناتور الإيطالي لويجي سبانيولي ببعده البرلماني عرضًا حول تجربة إقليم ألتو أديجي (جنوب تيرول)، باعتبارها نموذجًا ناجحًا في تدبير التنوع اللغوي والثقافي داخل الدولة الواحدة. واستعرض بشكل موجز الخلفية التاريخية التي مر بها الإقليم، والتحولات التي عرفها قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى اعتماد نظام حكم ذاتي موسع مكّن من تحقيق الاستقرار وحماية الخصوصيات المحلية. كما أشار إلى أن نجاح هذا النموذج يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الحكم الذاتي ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل آلية لتعزيزها إذا تم تدبيره بمرونة وتوازن.
في المقابل، قدمت الدكتورة المغربية ياسمين الحسناوي مداخلة أكاديمية ركزت على المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها إطارًا عمليًا لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية. وأبرزت أن هذا المقترح يعكس مقاربة براغماتية تقوم على التوفيق بين السيادة الوطنية وضمان تدبير محلي موسع، في إطار يحترم الخصوصيات الثقافية والتاريخية للمنطقة.
كما أشارت إلى أن هذا التصور يستند إلى معطيات تاريخية مرتبطة بالعلاقات التي جمعت سكان الصحراء بالعرش المغربي عبر مؤسسة البيعة، إضافة إلى المسار التاريخي الذي عرفته المنطقة في سياق الدولة المغربية. وقدمت قراءة مختصرة للمسار الأممي للنزاع، مع التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي باتت تحظى بدعم دولي متزايد باعتبارها مقترحًا واقعيًا وعمليًا.
وفي المسار ذاته، أبرزت المتدخلة أن المغرب اختار منذ سنوات نهج التنمية في أقاليمه الجنوبية عبر مشاريع كبرى في البنيات التحتية والطاقة واللوجستيك، ما جعل من المنطقة فضاءً صاعدًا للتكامل الإفريقي والمتوسطي.
وقد أجمع المشاركون في هذه الندوة على أن التجربتين المغربية والإيطالية، رغم اختلاف السياقات التاريخية، تلتقيان عند فكرة مركزية مفادها أن الحكامة الترابية الحديثة تقوم على التوازن بين الوحدة والتنوع، وعلى تحويل الخصوصيات المحلية إلى رافعة للاستقرار بدل أن تكون مصدرًا للتوتر.
الندوة التي سهرت على تنظيمها القنصلية العامة للمملكة المغربية بريادة السيد القنصل الأستاذ عبد الإله النجاري، أكدت أن الحوار المقارن بين النماذج الدولية في مجال الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة يظل أداة أساسية لتطوير الفكر السياسي المعاصر، وتعزيز فهم أعمق لآليات تدبير الدولة الحديثة في عالم يتجه أكثر نحو التعدد والانفتاح، مع الحفاظ على جوهر السيادة ووحدة الدول.
