من التقريرية إلى الشعرية السينمائية: بلاغة الرمز والسريالية في أفلام “كاميرا كيدز” الدورة العاشرة.

الجريدة العربية -مكتب الرباط


​تظل السينما، قبل كل شيء، لغة بصرية تعتمد على التكثيف والإيحاء. وفي سياق معالجة قضايا حساسة كتزويج القاصرات، يقع الكثير من المبدعين في فخ السينما الوعظية أو المعالجة المباشرة التي تكتفي بنقل الواقع فوتوغرافيا دون قيمة مضافة.
إن الإبداع الحقيقي يتجلى في القدرة على تحويل القضية الاجتماعية من خطاب لغوي مباشر إلى خطاب جمالي يعيد صياغة الألم عبر الرمز والسريالية، مما يمنح الفيلم ديمومة تتجاوز اللحظة الراهنة
.


أولاً: سحر الرمزية واللغة السريالية في الحكي البصري
​الرمزية في السينما ليست مجرد غموض، بل هي استحضار لمدلولات عميقة عبر دوال بصرية بسيطة. حين نبتعد عن المعالجة الفجة، نحن نمنح المتلقي فرصة للمشاركة في إنتاج المعنى. أما السريالية، فتعمل على كسر منطق الواقع لتقديم حقيقة الشعور بدلا من حقيقة الحدث، وهو ما يجعل المتفرج يشعر بوطأة الظلم الاجتماعي لا كخبر عابر، بل كصدمة شعورية.
ثانياً: قراءة في النماذج المتميزة لمهرجان كاميرا كيدز
​لقد استطاعت مجموعة من الأفلام المشاركة في الدورة العاشرة أن تكسر نمطية التناول المعتاد، مقدمة دروسا في كيفية توظيف الأدوات السينمائية:


*​إيحائية الصرخة في فيلم صرخة امل للمخرج محمد امحارش: لم تكن الصرخة هنا مجرد صوت فيزيائي، بل تحولت إلى أداة درامية مشحونة بالدلالات. إنها الصرخة المكبوتة التي تعبر عن انحباس الهوية وضياع الطفولة، حيث نجح الفيلم في جعل الصمت الذي يسبقها ويليها أكثر دويا من الكلام المباشر.


*​سريالية الوردة في فيلم لا عافاك للمخرجة صفاء اهزاوي : انتقل الفيلم بالوردة من معناها الرومانسي التقليدي إلى فضاء سريالي موحش. الوردة هنا قد تمثل البراءة التي تقطف قبل الأوان، أو الحلم الذي يذبل في مناخ قسري، مما خلق مفارقة بصرية صادمة بين جمالية العنصر وقسوة السياق.


*تقاطع الخطاب في فيلم توقيع للمخرج كريم عصارة: برع الفيلم في الربط الزمكاني والدلالي بين النافذة كرمز للتطلع والحرية الموؤودة، وبين لعبة الحجلة التي تمثل آخر معاقل الطفولة. هذا التقاطع يجسد لحظة التوقيع على عقد الزواج كقفزة قسرية من مربع اللعب إلى سجن المسؤولية، وهو تجسيد بصري عبقري لموت الطفولة
من خلال سلاسة الحكي والسرد وقوة الانتقال بين المشاهد، حيث لم يكن المونتاج مجرد أداة تقنية لربط اللقطات، بل كان لغة سردية بحد ذاتها محولاً الزمن الفيلمي إلى رحلة شعورية متصلة لا تشوبها تقطعات الحكي التقليدي.


*​وظيفية البودكاست في فيلم صوت ليلى للمخرج معاد الهيرور: استخدم الفيلم وسيطا معاصرا (البودكاست) ليس كأداة تقنية فقط، بل كفضاء للاعتراف والبوح. تحول الصوت اللامرئي إلى ضمير مستتر يواجه المجتمع، مما أضفى طابعاً حداثيا على المعالجة.


*​المقاربة العكسية في ماذا لو للمخرج حميد المؤذن: هذا الفيلم اشتغل على السينما البديلة أو التخييل الاحتمالي. من خلال قلب الأدوار أو المعطيات، استطاع أن يضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع عبثية الظاهرة، مما يحفز التفكير النقدي بعيداً عن الاستعطاف التقليدي.


*براعة الاستعارة في فيلم الطعم اللطيف للمخرج سعيد الخالفي: نجح الفيلم في الارتقاء بالأداة من وظيفتها النفعية إلى سلطتها الرمزية عبر توظيف البندقية. التي لم تكن هنا أداة للصيد التقليدي، بل تحولت إلى رمز لاقتناص او بالأحرى لقنص الفرص وللعنف الرمزي الذي يمارسه المجتمع أو الفرد تجاه براءة القاصرات. إن اختيار عنوان الطعم اللطيف مع صورة البندقية يخلق مفارقة (Paradox) بصرية قوية؛ حيث يستدرج الضحايا بلطف ظاهري يخفي خلفه آلية فتك جاهزة للإطلاق، وهو ما يعكس بذكاء سينمائي عملية الاصطياد الاجتماعي التي تتم تحت مسميات واهية.


ثالثاً: خاتمة وتوصيات


​إن التفوق السينمائي لا يقاس بنبل القضية فحسب، بل بذكاء المعالجة. الأفلام التي اعتمدت الرمزية والسريالية في مهرجان “كاميرا كيدز” أثبتت أن الصورة اصدق أنباء من الخطابة.
إننا بحاجة إلى تشجيع المبدعين الشباب على الابتكار البصري، فالمشهد الذي يترك أثرا هو الذي يحترم ذكاء المشاهد ويترك له مساحة للتأويل، بدلا من إغراقه في تقريرية جافة لا تصنع فنا ولا تغير واقعا.

Exit mobile version