ما بين جيل “Z” و جيل “أخنوش” ، الغضب الاجتماعي وعتامة الأفق الاقتصادي!!

الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *

 

رؤية اجتماعية حول خلفيات الاحتجاجات الشبابية وسياقاتها البنيوية

 

تعيش الساحة الاجتماعية المغربية على وقع تحولات عميقة تقودها فئة الشباب المنتمية لما يُعرف بـ”جيل Z”، الذي بات اليوم في قلب النقاش العمومي بعد سلسلة من الاحتجاجات والتعبيرات الغاضبة في عدد من المدن. هذه التحركات ليست حدثًا عابرًا، بل تعبّر عن تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية دفعت جيلًا كاملًا إلى التساؤل عن موقعه في وطن يتغير بسرعة، لكنه -في نظره- لا يواكب إيقاع تطلعاته.

ملامح الأزمة الاجتماعية بالأرقام

تُظهر المؤشرات الرسمية أن نسبة البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغت مستويات مقلقة تقارب 35%، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة المغاربية.
في المقابل، يشتغل أكثر من ثلث العاملين في الاقتصاد غير المهيكل، ما يكرس هشاشة الأوضاع الاجتماعية ويقوّض الاستقرار الاقتصادي للأسر.
هذه الأرقام تعكس عمق الفجوة بين النمو الاقتصادي الكلي وبين التوزيع العادل للفرص، وهو ما يفسر تصاعد الإحساس بالغبن والتهميش في أوساط واسعة من الشباب المغربي.

جيل رقمي في مواجهة واقع تقليدي

جيل “Z” المغربي هو جيل الإنترنت بإمتياز، وُلد في زمن الثورة الرقمية، وتربّى على ثقافة الانفتاح والتفاعل مع العالم.
لكن هذا الانفتاح الرقمي لم يواكبه تطور موازٍ في الفرص الاقتصادية أو آليات المشاركة السياسية. إذ يعيش هذا الجيل صدامًا بين واقع محلي محدود وإدراك عالمي واسع، حيث يرى أن الفرص التي يحصل عليها أقرانه في بلدان أخرى متاحة له نظريًا، لكنها منعدمة عمليًا داخل وطنه.
وهكذا تحولت المنصات الرقمية إلى فضاء بديل للتعبير عن الرفض والغضب، ولإعادة صياغة الوعي الجماعي حول قضايا الكرامة والعدالة الاجتماعية.

التعليم والتكوين.. الحلقة المفقودة

رغم الجهود الإصلاحية المتكررة، ما زال التعليم المغربي يعاني من ضعف الارتباط بسوق الشغل. ففي حين يواصل الآلاف من خريجي الجامعات بحثهم عن وظيفة، يجدون أنفسهم في واقع لا يستوعب مؤهلاتهم ولا يمنحهم فرصة للإسهام في الدورة الإنتاجية.
ويظل التكوين المهني بدوره محدود الأثر، نظرًا لغياب التنسيق بين مؤسسات التكوين والمقاولات، وضعف التقدير الاجتماعي للمهن التقنية، ما يجعل الكثير من الشباب يفضلون البطالة على ولوج مسارات غير مرئية في السلم الاجتماعي.

الفوارق المجالية.. عمق اللامساواة

يُعد التفاوت المجالي أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه المجتمع المغربي . حيث التفاوت الحضاري يبتلع الفرص التي كان من المفروض إيجادها في المجال القروي . في حين تشهد فيه الأقطاب الكبرى كطنجة والدار البيضاء والرباط دينامية اقتصادية واستثمارية ملحوظة، تنعكس الصورة الواقعية ، حيث تظل مناطق داخلية وجبلية كثيرة تعاني من ضعف البنية التحتية وقلة فرص الشغل والخدمات.

هذه الفجوة الجغرافية تولد إحساسًا متناميًا بالحيف و القهر، خصوصًا لدى الشباب الذين يشعرون بأنهم خارج اهتمام السياسات العمومية، وأنّ مصيرهم تحدده الجغرافيا أكثر من الكفاءة أو الاجتهاد.

آليات الغضب الجديد

الاحتجاجات الشبابية الأخيرة التي عرفتها بلادنا، كشفت عن جيل جديد من البشر ، ونسخة غير معتادة من التعبير الاجتماعي ، حيث لا شيء يخضع للوسائط التقليدية كالهيئات الحزبية أو النقابية، بل لموجة غاضبة تأتي على الأخضر و اليابس ، و تعكس صورة الغضب المستشري في هاته الشريحة المهمة جدا في تفعيل ألية صيرورة المجتمع .

إنه حراك أفقي، لا قيادة له، ولا ينضبط لمنطق الإيديولوجيا، فلسفة إحترام الكبير و الوقور، أو ثقافة العيش والملح ، بل تحركه القضايا الملموسة، غلاء المعيشة، ضعف الأجور، محدودية الخدمات الصحية، وانسداد الأفق المهني.

بهذا المعنى، يمكن القول إننا أمام وعي احتجاجي رقمي يفرض نفسه من خارج المنظومات القديمة، ويدفع الدولة إلى التفكير في آليات جديدة للإصغاء والتفاعل بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية أو التواصلية التقليدية.

هل مسؤولية الدولة أم المجتمع؟

لا ينكر عاقل أن الدولة تتحمل، كما المجتمع ذاته، مسؤولية جماعية في السيطرة واحتواء هذا التحول الجديد. بل يتحملون المسؤولية كاملة في ما آل إليه الوضع خاصة من الناحية الأخلاقية و الإجتماعية، حيث بدا جليا أنه لا يمكن مواجهة غضب الشباب بسياسات ظرفية، أو حلول ترقيعية، أو بوعود الله وحده من يعلم ما إذا كانت ستتحقق أم لا . نحن أمام جيل، آلي، يحسب بالألة الحاسبة واحد زائد واحد يساوي إثنان، شباب يؤمن بالقاعدة الهرمية والإصلاحات الهيكلية التي تُعيد الثقة في بناء المستقبل.
ويقتضي ذلك:

من الأزمة إلى الفرصة

رغم ما تحمله الاحتجاجات من توتر، إلا أنها تمثل فرصة إصلاح تاريخية. فربما – وإن صدقت التكهنات – فإن جيل “Z” يمتلك كفاءات رقمية وإبداعية هائلة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للنمو، إن وُظفت في الاتجاه الصحيح، وإن كان لهذل الجيل فعلا رؤية مستقبلية صالحة .

فمن الخطأ تعامل الحكومة الحالية مع الغضب الشبابي كتهديد، بل ينبغي اعتباره إنذارًا إيجابيًا ينبّه إلى الحاجة لإعادة ترتيب الأولويات التنموية وفق منطق جديد يضع الإنسان في صميم السياسات العمومية.

فحركة الشباب المغربي اليوم أظهرت أن الأزمة الاجتماعية ليست في الأرقام فقط، وفي ما ينتج من التقارير الرسمية من الهيئات و المنظمات، بل في الإحساس الجماعي بانسداد الأفق و عدم الرؤية الواضحة لبرامج يتحدث عنها الإعلام الداخلي و الخارجي ، ولكن بجعجعة من دون طحين.

قد نقول اليوم أن جيل “Z” لا يطلب المستحيل، و لا يسعى للمس النجوم في وضح النهار، بل يطالب بمستقبل يستحقه، بحكومة عادلة في الفرص، قادرة على احتضانه لا على تهميشه، في دولة يقود سفينتها “رجل” ماهر لم يأتي به زمان.

إنها لحظة فارقة في تاريخ المغرب الاجتماعي، لحظة تفرض على الجميع – دولة ومجتمعًا ونخبًا – إعادة التفكير في نموذج تنموي يُعيد الثقة، ويحوّل الغضب إلى قوة بناء لا إلى طاقة مهدورة.


* مدير النشر ورئيس هيئة التحرير بالجريدة العربية
Exit mobile version