الجريدة العربية
ظل النقاش، لسنوات طويلة، محصوراً بين اسمين بارزين: الكاميروني روجي ميلا، صاحب الملحمة التاريخية مع منتخب بلاده في مونديال 1990، والغاني أسامواه جيان، الهداف الإفريقي التاريخي لكأس العالم. لكن بعد مشاركته في نسختين استثنائيتين من البطولة، يبدو أن ياسين بونو قد ارتقى إلى مستوى آخر، وبات يملك كل المقومات للمنافسة على لقب أعظم لاعب إفريقي في تاريخ المونديال.
ولا تكمن أفضلية الحارس المغربي، مقارنة بأساطير القارة السمراء، في لحظة واحدة أو بطولة منفردة، بل في الاستمرارية والتأثير المباشر في أكبر المواعيد.
ففي مونديال قطر 2022، كان بونو أحد أبرز مهندسي المسيرة التاريخية للمنتخب المغربي، الذي أصبح أول منتخب إفريقي يبلغ الدور نصف النهائي في تاريخ كأس العالم. ولا تزال مواجهته أمام إسبانيا في ركلات الترجيح، حين تصدى لركلتين، واحدة من أكثر اللحظات رسوخاً في تاريخ كرة القدم الإفريقية، قبل أن يواصل تألقه في الدور التالي أمام البرتغال بتدخلات حاسمة.
مونديالان استثنائيان يضعان بونو في القمة
وبعد أربع سنوات، أثبت ياسين بونو أن إنجازه في قطر لم يكن مجرد تألق عابر.
خلال كأس العالم 2026، واصل الحارس المغربي حضوره الحاسم. فقد كان صامداً أمام البرازيل في دور المجموعات، قبل أن يتحول إلى كابوس حقيقي أمام هولندا في دور الـ32، حيث لعب دوراً بارزاً في تأهل الأسود، بما في ذلك تصدٍ حاسم خلال ركلات الترجيح.
كما تألق أمام كندا، بتدخلات حاسمة في لحظات دقيقة، قبل أن يضيف إلى سجله إنجازاً جديداً بتصديه لركلة جزاء نفذها النجم الفرنسي كيليان مبابي، رغم خروج المنتخب المغربي من الدور ربع النهائي.
وقليل من اللاعبين الأفارقة يمكنهم القول إنهم كانوا بهذا القدر من الحسم في هذا العدد من مباريات الأدوار الإقصائية لكأس العالم.
أرقام تاريخية تضع بونو بين كبار الحراس
سمح تصدي بونو لركلة جزاء مبابي بمعادلة رقم قياسي يعود إلى ستة عقود.
فبعد أن تصدى لأربع ركلات جزاء أو ركلات ترجيح خلال مشاركاته في كأس العالم، عادل الحارس المغربي الرقم القياسي التاريخي المسجل منذ عام 1966. وباحتساب الركلات التي خرجت خارج المرمى، لم تستقبل شباكه سوى هدفين من أصل تسع محاولات واجهها في ركلات الجزاء خلال المونديال.
وخاض بونو حتى الآن 12 مباراة في كأس العالم، استقبل خلالها 11 هدفاً، وتصدى لأربع ركلات جزاء أو ركلات ترجيح.
وبالنسبة إلى حارس مرمى، يصعب تخيل تأثير أكبر من ذلك في مسيرة منتخب بلاده.
لماذا يتقدم بونو على ميلا وجيان؟
يبقى روجي ميلا، بطبيعة الحال، أسطورة كروية لا جدال فيها.
فقد غيّر الكاميروني صورة كرة القدم الإفريقية في مونديال 1990، بعدما سجل خمسة أهداف وصنع هدفين خلال عشر مباريات، وقاد منتخب الأسود غير المروضة إلى الدور ربع النهائي، ملهماً أجيالاً كاملة من اللاعبين الأفارقة.
غير أن إرث ميلا في كأس العالم يرتبط أساساً بنسخة واحدة استثنائية.
أما أسامواه جيان، فيملك أفضل حصيلة هجومية إفريقية في تاريخ البطولة، برصيد ستة أهداف وثلاث تمريرات حاسمة خلال 11 مباراة. غير أن أغلب تألقه جاء في دور المجموعات، كما ظلت مسيرته المونديالية مرتبطة، بشكل لا يمكن تجاهله، بركلة الجزاء التي أهدرها أمام الأوروغواي في مونديال 2010.
وعلى النقيض من ذلك، بنى بونو أسطورته في اللحظات التي تكون فيها الضغوط في أعلى مستوياتها.
هل أصبح بونو ملك المونديال الإفريقي؟
قبل كأس العالم 2026، كان روجي ميلا اللاعب الإفريقي الوحيد ضمن قائمة أفضل 50 لاعباً في تاريخ كأس العالم التي أعدتها صحيفة «ذي إندبندنت».
لكن بعد نسختين استثنائيتين، يبدو من الصعب اليوم تصور أي ترتيب تاريخي للاعبي القارة في المونديال من دون حضور ياسين بونو.
فالحارس المغربي لم يصبح فقط واحداً من أفضل حراس المرمى في تاريخ البطولة، بل امتلك، بفضل عروضه أمام إسبانيا والبرتغال وهولندا وكندا والبرازيل وفرنسا، ميزة نادرة للغاية، وأن يكون لاعباً قادراً على تغيير مصير منتخب بلاده في نسختين متتاليتين من كأس العالم.
وهنا تحديداً تكمن حجته الأقوى. فبينما صنع ميلا مجداً خالداً في نسخة واحدة، وترك جيان بصمته بأرقام هجومية لافتة، نجح بونو في تحويل مركز حراسة المرمى إلى عنصر حاسم في صناعة التاريخ.
وبعد مونديالي 2022 و2026، لم يعد السؤال هو ما إذا كان ياسين بونو من أعظم اللاعبين الأفارقة في تاريخ كأس العالم، بل ما إذا كان قد أصبح بالفعل أعظمهم على الإطلاق.
