قضية عبد الرحيم فقيرتحول إلى قبة البرلمان الإيطالي إلى حلبة تصفية حسابات سياسية وتشريعية هزت أركان الدولة بأكملها

روما، بولونيا | متابعة خاصة لـ ljarida.com

لم يعد مشرط الطبيبة الشرعية “فالنتينا بوجيلي” يبحث فقط في دماء الرئتين المسحوقتين للمهاجر المغربي عبد الرحيم فقير، بل فجّر في اليومين الأخيرين عاصفة سياسية حمراء ومواجهة كسر عظم سُمعت أصداؤها تحت قبة البرلمان الإيطالي. لقد انتقلت الجريمة في الساعات الثماني والأربعين الماضية من أزقة حي “بيلاسترو” لتتحول إلى حرب أيديولوجية وقانونية شاملة، وضعت حكومة جورجيا ميلوني اليمينية في مواجهة مباشرة مع المعارضة والشارع، وسط تساؤلات حارقة حول كلفة كرامة المهاجر في بلد تحكمه الفاشية الجديدة.

معركة اليمين الحاكم: “سالفيني” يطالب برأس عمدة بولونيا و”ميلوني” تحصّن الأمن

شهدت الساعات الثماني والأربعين الماضية تصعيداً سياسياً غير مسبوق قاده أقطاب الحكومة الإيطالية اليمينية. إذ شن نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب “رابطة الشمال”، ماتيو سالفيني، هجوماً ضارياً وعنيفاً على رئيس بلدية بولونيا اليساري، ماتيو ليبوري، مطالباً إياه بـ”الاستقالة الفورية”. واتهم سالفيني تيار اليسار والبلدية بـ”توفير غطاء سياسي للمخربين والمهاجرين” والتحريض ضد مؤسسات الدولة، وذلك بعد وقوف العمدة إلى جانب عائلة الضحية وتلقيه لاحقاً تهديدات بالقتل.

من جانبها، ورغم محاولتها الحفاظ على نبرة تطالب بـ”استجلاء الحقيقة القضائية”، قادت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني جبهة الدفاع عن الأجهزة الأمنية، ملقيةً بثقلها السياسي لإدانة الصدامات الشعبية التي شهدتها بولونيا. وركز خطاب اليمين الحاكم على محاولة “تحصين” الشرطيين والمسعفين الستة الخاضعين للتحقيق، عبر التمسك بالمرسوم الأمني المثير للجدل، والترويج الإعلامي المكثف عبر الصحف اليمينية المقربة من الحكومة لسوابق الضحية القديمة ونتائج عينات السموم، في محاولة صريحة لشرعنة التدخل العنيف وتبرئته طبياً من تهمة خنق الضحية.

المعارضة والبرلمان: انتفاضة ضد “المسخ القانوني” والمطالبة بتحقيق مستقل

في المقابل، تحول البرلمان الإيطالي في اليومين الأخيرين إلى ساحة حرب تشريعية؛ حيث تقدم التحالف الأخضر واليساري (AVS) باستجواب رسمي طارئ وعاجل لوزيري الداخلية والعدل. وطالب نواب المعارضة بـسحب ملف التحقيق فوراً من جهاز الشرطة وإسناده إلى جهاز أمني مستقل تماماً (كالكارابينييري)، تماشياً مع مبادئ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لمنع طمس معالم الجريمة أو التلاعب بتفريغات الكاميرات الجسدية (Bodycams).

وصوّبت المعارضة، مدعومةً بالحقوقيين والسناتورة الشهيرة إيلاريا كوكي، مدافعها نحو نظام “Modello 45-bis” (الدرع القانوني لحماية الأمنيين)، واصفين إياه بـ”المسخ التشريعي الذي أسسته حكومة ميلوني لشرعنة إفلات الأمن من العقاب”. واعتبر الإعلام الليبرالي الإيطالي (مثل La Repubblica وIl Post) أن محاولات اليمين للتركيز على فرضية “الأزمة القلبية الناتجة عن الكوكايين” هي عملية “قتل ثانٍ” للضحية معنوياً، للتغطية على الفضيحة الطبية التي فجرها التشريح الأولي بإثبات وجود “سحق ميكانيكي صريح ودماء حية داخل الرئتين” نتيجة الاختناق الميكانيكي تحت أوزان الشرطة.

الموقف المغربي: دبلوماسية “الخطوط الحمراء” وتعبئة الجالية للمستقبل

على الجانب المغربي، اتخذت القضية أبعاداً سيادية بالغة الجدية؛ إذ تواصل وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، عبر سفارتها في روما وقنصليتها ببولونيا، الضغط الدبلوماسي لضمان سير العدالة دون تسييس أو تمييع، متمسكةً ببيانها الصارم الذي طالب بتحقيق شفاف ونزيه. ودخل مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) على الخط بقوة، معلناً مؤازرته المطلقة لأسرة الراحل، ودعوة المنظمات الحقوقية الدولية لمراقبة المحاكمة وحماية حقوق المهاجرين في ظل تصاعد الفاشية الجديدة.وميدانياً، تباشر القنصلية المغربية التنسيق اللوجستي النهائي مع النيابة العامة الإيطالية لتسلم الجثمان فور صدور إذن الدفن (Nulla osta)، لنقله جوياً إلى مسقط رأسه بالمغرب ليدفن هناك بناءً على رغبة زوجته المكلومة التي جددت صرختها من المملكة واصفةً ما جرى لزوجها بـ”الإعدام الميداني”. وفي هذه الأثناء، تستعد الجالية المغربية والفعاليات الحقوقية ببولونيا لتنظيم مسيرات صامتة وحاشدة بالشموع، ليس فقط لتأبين الراحل، بل لفرض الكتلة المغربية كقوة حقوقية وسياسية قادرة على حماية كرامة أبنائها في المغترب الأوروبي.

Exit mobile version