قضية بوعلام صنصال: حين تتحوّل السلطة الجزائرية إلى سجان للفكر وخصم للتاريخ

الجريدة العربية – بوحافة العرابي *

في الوقت الذي تعيش فيه الأمم لحظات نضجها الديمقراطي، وتخطو نحو مصالحة مع ذاكرتها وتاريخها، يصر النظام الجزائري على الانحدار نحو قاع السلطوية، متخذًا من الأدب والفكر الحر عدوا داخليًا وجب سحقه، حتى لو كان الثمن كرامة مثقف ومكانة كاتب من طينة بوعلام صنصال.

أن يُعتقل رجل في الثمانين من عمره، مريض بالسرطان، لأنه تحدّث بحرية عن حقائق تاريخية موثقة وموثوقة حول الصحراء المغربية التي كانت يومًا جزءًا من جغرافيا المغرب الكبير قبل اقتطاعها خلال الحقبة الاستعمارية؛ فذلك ليس مجرد تضييق على حرية التعبير، بل هو سقوطا مدويا لنظام يعيش عقدة الجغرافيا والشرعية معًا.

بوعلام صنصال لم يرتكب جريمة؛ لم يدعُ إلى العنف، ولم يخطط لانقلاب، ولم يُهرّب الأموال العمومية. كل ما فعله أنه عبّر عن رأي، رأي يُزعج المؤسسة العسكرية المتكلسة في الجزائر التي نصّبت نفسها وصيّة على الماضي والحاضر، وها هي اليوم تجرّ كاتبًا حُرًا إلى الزنزانة لأنه كسر جدار الصمت، وأعاد فتح ملف مغلق في ذاكرة التاريخ: ملف الصحراء المغربية، التي لطالما كانت حجر عثرة في وجه مصالحة الجزائر مع محيطها المغاربي.

الذريعة الرسمية لتبرير استمرار سجنه – “المساس بالوحدة الوطنية” – ليست سوى غطاء هشّا لإخفاء الانزعاج العميق من كل صوت خارج عن جوقة الدعاية الرسمية، خصوصًا عندما يكون هذا الصوت صوتًا دوليًا له مكانته الأدبية والثقافية، ويملك القدرة على تقويض الرواية الرسمية بحقائق لا تقبل التأويل.

إن رفض النظام الجزائري، في مناسبة وطنية حساسة كعيد الاستقلال، منح عفو إنساني لرجل مسن ومريض، هو رسالة واضحة للعالم، هذه سلطة لا تغفر، لا تُصالح، ولا ترى في المفكرين سوى خصوم وجب إخضاعهم أو دفنهم وهم أحياء خلف قضبان الكولونيالية السياسية التي لا تزال تحكمها من الداخل.

والأخطر من ذلك، أن السلطة الجزائرية ربطت مصير صنصال بتوتراتها الجيوسياسية مع فرنسا والمغرب. فهل صار المثقف رهينة في بازار الحسابات الدبلوماسية؟ وهل بات الحياد في ملف الصحراء المغربية جريمة، والاعتراف بمغربية الأقاليم الصحراوية كفرًا وطنيا يعاقب عليه بالسجن؟ إن هذا المنطق لا يمكن إلا أن يُدان بشدة.

الجريمة الحقيقية ليست في كلمات بوعلام صنصال، بل في اختطاف العدالة من ساحتها، وتسخير القضاء لتصفية الحسابات السياسية. إن إيداع رجل فكر في سجن “كوليا” السيء الصيت، وحرمانه من حقّه في الطعن والنقض، هو علامة خزي على جبين السلطة، لا تُمحى ببيانات، ولا بتبريرات جوفاء.

الجزائر، اليوم، أمام لحظة فاصلة. إمّا أن تختار أن تُثبت للعالم أنها دولة قانون ومؤسسات، أو أن تواصل انزلاقها نحو نموذج سلطوي لا مكان فيه لحرية التعبير، ولا لاحترام الرأي الآخر. أما صنصال، فمهما طال اعتقاله، فإن سجنه سيسكن ذاكرة القمع لا ذاكرة الدولة.

وفي انتظار ما ستحمله الأيام، يبقى النظام الجزائري مدانًا أمام المجتمع الدولي، أمام النخبة الثقافية، وأمام كل حرّ يرفض أن يُسجن كاتب لمجرد أنه قال الحقيقة: أن الصحراء مغربية، وأن التاريخ لا يُكتب في مكاتب الاستخبارات بل في وجدان الشعوب.


* باحث أكاديمي في مجال الصحافة والإعلام الإجتماعي و السياسي، وكاتب صحفي مقيم بأوروبا، يشغل منصب رئيس هيئة التحرير و النشر بالجريدة العربية .
Exit mobile version