الجريدة العربية
لم يعد الاستثمار العسكري في المغرب مجرد تحديث روتيني للجيش، بل أصبح مشروعًا استراتيجيًا يرسّخ صورة المملكة كقوة إقليمية ذات بعد إمبراطوري، قادرة على فرض معادلات الردع في منطقة تزداد هشاشتها بفعل الإرهاب في الساحل وصراع النفوذ مع الجزائر.
ومنذ سنوات، رفعت الرباط سقف طموحاتها العسكرية عبر تعزيز قدراتها الجوية، البرية والبحرية، مراكمة صفقات نوعية مع الحليف الأمريكي، وتشييد صناعة دفاعية محلية آخذة في التوسع. بهدف واضح، يتمثل في ضمان تفوق نوعي يردع الخصوم ويؤكد أن المغرب ليس مجرد لاعب إقليمي، بل قوة محورية في الأمن المتوسطي والإفريقي.
أحدث العقود مع وزارة الدفاع الأمريكية تبرهن على هذه الاستراتيجية، إذ استفاد المغرب من برنامج صيانة وتطوير شامل لدبابات “Abrams”، بصفقة جديدة قيمتها 27 مليون دولار، ترفع القيمة الإجمالية للعقود إلى ما يتجاوز المليار. حيث كان اختيار شركة “General Dynamics Land Systems” لإنجاز الأشغال في ميشيغان حتى فبراير 2027 قد عكس علاقة ثقة ممتدة مع واشنطن، وضمن أن يبقى الأسطول المغربي من المدرعات في مصاف الجيوش الغربية.
لكن الأمر يتجاوز مجرد صيانة تقنية، فالمغرب حصل أيضًا على النسخة المتقدمة “M1A2 SEPv3″، كما عزز منظومته اللوجستية بمركبات “Oshkosh HET A1″، ما يجعل ترسانته البرية مؤهلة لردع أي تهديد مباشر، خصوصًا في مواجهة الجزائر التي ما فتئت تراهن على سباق تسلح غير متكافئ.
هذا التوجه يواكبه ارتفاع متواصل في ميزانية الدفاع، مقرونا برؤية ملكية سامية لإرساء صناعة عسكرية محلية تسهم في استقلال القرار الدفاعي للمملكة. فالرهان لا يقتصر على اقتناء أحدث الأسلحة، بل على ضمان جاهزيتها الدائمة، واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، وتوطين المعرفة العسكرية.
إن المغرب، بتعزيز قدراته العسكرية النوعية، يوجّه رسائل متعددة المستويات:
-
أولًا، أنه قادر على حماية مجاله الوطني وردع أي مغامرة جزائرية أو غيرها.
-
ثانيًا، أنه يفرض نفسه كفاعل استراتيجي في محيطه الإقليمي، يحظى باحترام الحلفاء الغربيين.
-
ثالثًا، أنه يبني صورة دولة ذات امتداد إمبراطوري، متجذر تاريخيًا في العمق الإفريقي والأندلسي، وحاضر بقوة في معادلات القرن 21.
كما أنه في منطقة متوترة حيث تتقاطع أطماع الجزائر مع تهديدات الساحل الإفريقي، يظل المغرب ثابتًا على نسق برغماتي صلب ، القوة تصنع الردع، والردع يصون الاستقرار.
