الجريدة العربية – مكتب الرباط
تعتذر الجريدة العربية لقرّائها الكرام عن عدم نشر الحلقة التاسعة يوم الثلاثاء الماضي، لأسباب خارجة عن إرادتنا، شاكرين حسن تفهمكم ووفاءكم لمتابعة فصول رواية أبوبيس
الفصل التاسع: امتحان الحياة والمهنة
المهنة التي اختارها أبوبيس كانت نبيلة، تتطلب إخلاصًا وتفانيًا: التعليم. لكن بالنسبة له، كانت مجرد وسيلة جديدة لاختبار دهائه، وتحويل الثقة إلى أداة أخرى. لم يكن الشغف بالتدريس موجودًا، بل الطموح الشخصي، والبحث عن مكانة وسلطة.
دخل المباراة بعد أن تسرب له حلّ أحد الأصدقاء، كأن القدر وضع له مفتاحًا للنجاح على طبق من ذهب. حلّل الأسئلة، وضع نفسه في المكان الذي لم يكن يستحقه، وتقدّم بثقة متوهمة. لم تكن مهاراته حقيقية، لكنها كانت كافية لخداع اللجنة، ولبسط صورة الرجل الكفء أمام الجميع.
لكن الحقيقة دائمًا تظهر، وإن تأخرت. رفضت أمهات التلاميذ، وجمعيات المجتمع المدني، ومن يعرفون الحقيقة أن يقبلوا أن يدرّس أبنائهم. كان غضبهم صريحًا، ورفضهم لا يمكن تجاوزه. أصبحت صورة أبوبيس في المجتمع المهني مشوهة: الرجل الذي خدع، الذي تسلل، والذي لم يثبت كفاءته.
عليه أن يترك موقعه العملي، لم يعد ممكنًا الاستمرار. حاول التغطية على الفضائح، حاول إظهار نفسه كضحية للظروف، لكن كل شيء كان واضحًا: الخيانة بدأت تُكشَف، والصدق الذي تجاهله سنوات، عاد ليلاحقه. حتى زملاؤه في العمل لاحظوا: لا يستطيع المكوث في العمل أكثر من ثلث وقته، لا يستطيع الالتزام بالمهام، ولا يظهر أي انضباط مهني.
أصبحت مساحة عمله صغيرة جدًا، لا يستطيع أن يستفيد منها كما اعتاد، ولا أن يواصل لعبة السيطرة كما كان يفعل في عالم السياسة والمال. وفي يوم بعيد، بينما كان يغادر مكان التدريس، شعر بالمرارة تتسلل إلى قلبه. لم يكن الأمر مجرد فقدان مكانة، بل بداية فهم أن العالم، رغم كل الخدع والمناورات، يفرض اختباراته على الجميع.
وهكذا، انتهت مرحلة أبوبيس في المهنة النبيلة، لتبدأ مرحلة جديدة، أكثر خطورة، وأكثر خيانة، في عالم السياسة، المال، والعلاقات الاجتماعية، حيث لا حدود للدهاء، ولا نهاية للخيانات، وكل خطوة تُحسب بعناية على رقعة شطرنج الحياة.
