سبتة المحتلة ليست وجهة، بل رسالة: قراءة في نبض موجة الهجرة الجديدة

الجريدة العربية – عبد الله مشنون *

هناك صور لا تحتاج إلى تعليق لأنها تتحول بذاتها إلى وثيقة سياسية واجتماعية ناطقة تعكس عمق التحولات المجتمعية. وما تناقلته وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي مؤخراً لعشرات الآلاف من المغاربة المتدفقين نحو محيط مدينة سبتة المحتلة ليس مجرد حدث عابر أو مشاهد تقليدية لأشخاص يبحثون عن العبور بل هو تعبير صارخ عن حالة من الاحتقان الجماعي والقلق الإنساني الذي يستوجب وقفة تأمل متجردة من كل انفعال أو أحكام جاهزة.

حين يصل مجتمع بأكمله إلى مرحلة يصبح فيها المجهول بكل مخاطره وقسوته أكثر إغراءً من الواقع اليومي فإننا لسنا أمام مجرد رغبة فردية في تغيير الأفق بل أمام مؤشر بنيوي يستوجب قراءة عميقة وموضوعية. ومن السهل بطبيعة الحال اختزال مثل هذه الأحداث الضخمة في عناوين سريعة ومألوفة مثل إلقاء اللوم كلياً على شبكات التهريب المنظم أو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تهييج الأوضاع أو حتى استغلالها عبر حسابات سياسية ضيقة. ومع أن لبعض هذه العوامل أدواراً تضخيمية أو توجيهية لا يمكن إنكارها إلا أن حصر الظاهرة في سبب واحد أحادي يغفل الحقيقة الأعمق والأكثر تعقيداً وهي أن أي دعوة للهجرة أو أي إشاعة مهما كانت محبوكة لن تجد صدى واسعاً واستجابة جماعية فورية لم تعد تبالي بالموت ما لم تكن هناك أرضية اجتماعية ونفسية واقتصادية مهيأة تماماً للاستجابة لها.

إن ظاهرة الهجرة في المغرب ليست وليدة اليوم غير أن أبعادها وملامحها قد شهدت في السنوات الأخيرة تحولات جذرية ومقلقة. فلم تعد مرتبطة حصراً بالفقر المدقع أو الحاجة المادية البحتة بل باتت تستقطب شرائح واسعة من الشباب المتعلمين وخريجي الجامعات بمختلف تخصصاتهم وأصحاب التكوين المهني بل وحتى أولئك الذين يمتلكون عملاً قارين لكنهم لا يلمسون فيه أي أفق حقيقي لتحقيق العيش الكريم والاستقرار المنشود. هذا التحول النوعي يفرض بالضرورة إعادة نظر جذرية في الطريقة التي نفهم بها دوافع الهجرة اليوم إذ تجاوزت الإطار الاقتصادي البحت لتلتحق بمفاهيم أعمق تتعلق بالشعور بالانتماء والكرامة الإنسانية والقدرة على بناء مستقبل واضح المعالم دون إحساس دائم بالألم والإقصاء.

والمفارقة الكبرى تكمن اليوم في أن المغرب يقدم صورة مزدوجة ومحيرة للمتابع فمن جهة هناك وطن يشهد ورشات كبرى ويستعد لاستحقاقات قارية ودولية واسعة ويطور بنيته التحتية بشكل مذهل ويستقطب الاستثمارات الكبرى ويعزز حضوره الإقليمي والدولي بثبات. ومن جهة أخرى هناك شريحة واسعة من الشباب تعبر بيأس عن شعور عميق بالإحباط الناتج عن البطالة وغلاء المعيشة المستمر وصعوبة الولوج إلى فرص حقيقية تحقق لهم الحد الأدنى من الاستقرار والاندماج الاجتماعي. والتحدي الحقيقي والعميق لا يكمن أبداً في وجود هاتين الصورتين المتناقضتين في نفس البلد بل في اتساع المسافة والهوة بينهما بحيث تتحول التنمية الكبرى إلى أرقام في التقارير الرسمية بينما يبقى الإحساس بالعدالة المجالية والاجتماعية غائباً عن اليومي المعيش للمواطن البسيط.

ولا يمكن تناول هذا الملف بمعزل عن البعد السياسي والقانوني المرتبط بمدينة سبتة ومليلية والجزر المحتلة من طرف إسبانيا والتي يطالب المغرب باسترجاعها. فمن وجهة النظر المغربية يظل استمرار هذا الوضع محل نقاش تاريخي وسياسي وقانوني ويطرح تساؤلات حول مدى انسجام المبادئ التي تعلنها الدول الأوروبية بشأن احترام القانون الدولي وحق الشعوب في تسوية النزاعات بالوسائل السلمية مع استمرار وجود أراضٍ مغربية محتلة وفق الموقف المغربي لم يُحسم وضعها بعد.

وفي هذا السياق تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب إعلامي مغربي أكثر حضورًا على الساحة الدولية قادر على عرض الرواية المغربية بلغة القانون والتاريخ والحوار والانخراط في نقاشات الرأي العام الأوروبي بوسائل مهنية وموضوعية. فالقضايا الوطنية لا تُكسب فقط عبر المواقف الرسمية بل أيضًا من خلال إعلام قوي وبحث أكاديمي رصين ودبلوماسية إعلامية تخاطب العقول بالحجة والوقائع وتفتح نقاشًا مسؤولًا حول مستقبل هذه القضايا بما يخدم الاستقرار والاحترام المتبادل.

ولعل ما ضاعف من حدة النقاش حول هذه الأحداث هو كثرة الأسئلة الاستنكارية والاستفسارات التي تلقيتها شخصياً بحكم موقعي كصحفي مقيم في إيطاليا من طرف زملاء مهنيين إيطاليين وأوروبيين تساءلوا بحيرة عما يجري حقاً ولماذا غابت بيانات رسمية فورية ومباشرة تخاطب الرأي العام بخصوص هذا النزوح الجماعي. والحقيقة أن الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي فهماً دقيقاً لطبيعة المقاربة المغربية في تدبير الملفات الحساسة فالمغرب،وهو يواجه تحديات الهجرة الضخمة كبلد عبور واستقرار يفضل دائماً التعامل مع هذه الأزمات بمنهجية الرصانة والعمل الميداني المستدام بعيداً عن التسرع في التوثيق الإعلامي الآني. كما أن غياب بلاغات تقليدية متسرعة لا يعني بتاتاً تجاهلاً للأمر بل يعكس إدراكاً بأن قضايا بهذا الحجم تتطلب مقاربات أمنية وتنموية عميقة وتنسيقاً إقليمياً ودولياً صامتاً وفعالاً يراهن على الحلول البنيوية والسياسات الاستراتيجية طويلة الأمد بدلاً من الاكتفاء بالردود الظرفية أو الخطابات الموسمية التي لا تغير من جوهر التحديات شيئاً.

لقد أثبتت التجارب أن جيل الشباب اليوم لا يطالب فقط بوظيفة تقليدية تسد رمقه بل يبحث بالأساس عن المعنى والأفق إنه يريد أن يشعر وبشكل ملموس أن الاجتهاد والمثابرة يقودان حتماً إلى فرصة عادلة وأن التعليم يفتح الأبواب لا المسدودة وأن الكفاءة والنزاهة تجدان مكانهما الطبيعي داخل المؤسسات. وعندما تتراجع هذه القناعة وتتآكل الثقة تتحول الهجرة في أذهان الكثيرين إلى مشروع حياة بديل حتى وإن كان محفوفاً بالموت والمخاطر الجسيمة. من هنا فإن التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة من زاوية أمنية بحتة رغم أهميتها الظلية في ضبط الحدود وحماية سيادة الدولة لن يكون كافياً أبداً لأن الأمن قد يحرس الجغرافيا ولكنه يعجز تماماً عن معالجة الأسباب العميقة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تدفع الآلاف للمجازفة بحياتهم وارواحهم.

وفي نفس السياق لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الدور التخريبي لشبكات الاتجار بالبشر التي تستغل أوهام الشباب وضعفهم النفسي لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة فضلاً عن دور الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تروجها منصات التواصل الاجتماعي لترسم صوراً وهمية ومزيفة عن حياة الفردوس الأوروبي متجاهلة الواقع الأكثر قسوة وتعقيداً هناك. غير أن مكافحة هذه الشبكات والمحتويات المضللة يجب أن تترافق بالضرورة مع إصلاحات هيكلية تعيد الاعتبار للسياسات العمومية وتجعلها قادرة على الاستجابة للتحديات الحقيقية التي يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على تحقيق نسب نمو اقتصادي صماء بل يتجاوز ذلك إلى ترجمة هذا النمو إلى فرص عمل لائقة وتحسين جودة الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وتقليص الفوارق المجالية الصارخة بين المدن والمناطق الهشة وتعزيز جسور الثقة المفقودة أو المتآكلة بين المواطن ومؤسساته. فالأزمات الكبرى لا تندلع فجأة من فراغ بل تتشكل تدريجياً عبر تراكمات صامتة وإشارات إنذار مبكرة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في حينها ومشاهد التدافع نحو سبتة ليست سوى جرس إنذار وطني يستوجب الإصغاء إليه بعين الحكمة والمسؤولية الجماعية.

وإذا كانت حكومة السيد عزيز أخنوش تطوي اليوم صفحات ولايتها وتلفظ أنفاسها الأخيرة قبيل محطة الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الجاري فإنها والأحزاب السياسية بمختلف طيفها إلى جانب كافة المنتخبين والمسؤولين بمختلف الوزارات والمؤسسات مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى بقراءة الضمير الجماعي للشباب بمسؤولية تاريخية بعيدة عن لغة الحسابات الضيقة فكثير من هذه الفئات عانت طويلاً من غياب الإصغاء الحقيقي لمعاناتها اليومية واستخفاف بعض المسؤولين بوجعها الصامت. ومع تقاطع هذه التحديات يبقى الأمل الأبقى والبوصلة الثابتة للمغاربة هو العرش العلوي المجيد وفي صدارته جلالة الملك محمد السادس الضامن الحقيقي للاستقرار والكرامة والوحيد القادر برؤيته الحكيمة ومبادراته السامية على إعادة التوازن وبناء جسور الثقة وصناعة الأمل في مستقبل يليق بتضحيات أبناء هذا الوطن.

رحم الله جميع الضحايا الذين قضوا غرقاً في رحلات الموت هرباً بحثاً عن الأفق والكرامة وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

فالمغرب ولله الحمد يمتلك إمكانات بشرية هائلة وطاقات شابة فريدة كما حقق إنجازات تنموية كبرى يشهد بها القاصي والداني. غير أن الحفاظ على هذه المكتسبات وتحصين الوطن يقتضي أن يلمس المواطن أثر التنمية في واقعه المعيش وفي مدخوله وفي مستقبل أبنائه.

وحين تهدأ العاصفة وتعود الأمور إلى ظاهريتها الطبيعية يبقى السؤال الجوهري معلقاً بإلحاح: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الشبابية الجارفة من البحث المحفوف بالموت عن قارب أو معبر سري إلى طاقة فاعلة ومشاركة حقيقية في بناء وطن يجدون فيه ذواتهم ومستقبلهم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال المصيري ليست مسؤولية الدولة وحدها ولا الأحزاب السياسية بمفردها بل هي أمانة ومسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجميع لأن الأوطان الحقيقية والقوية لا تُقاس أبداً بحجم ما تبنيه من طرق وموانئ وملاعب بل بقدرتها العميقة على صناعة الأمل وترسيخ العدالة والاستثمار الحقيقي في كرامة الإنسان وقيمته.


* كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي من إيطاليا.
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

Exit mobile version