الجريدة العربية – محمد حميمداني
فيما يعتمد أغنى المستثمرين على التحليل المالي والحدس البشري. سلك “جيم سايمونز” طريق أعادت تسطير هاته القاعدة بالكامل. طريق المعادلات الرياضية والخوارزميات العلمية الصارمة. محولا “نظرية الفوضى” إلى ثروة تقدر بأكثر من 30 مليار دولار. ولم يكتف “جيم” بتحطيم قواعد اللعبة في “وول ستريت”، بل أعاد كتابتها بالكامل. مُثبتا أن أقوى أداة للاستثمار قد تكون مختبئة داخل معمل رياضي.
ف”سايونز” ليس مجرد ملياردير، بل هو أستاذ جامعي سابق وعبقري في الرياضيات. استخدم معادلاته و”نظرية الفوضى” لبناء إمبراطورية مالية. حيث تعتبر قصته شهادة حية على قوة المنهجية العلمية والانضباط. وكيف يمكن للعقل البشري أن يرى أنماطا حين يرى الآخرون الفوضى.
من الأكاديميا إلى قمة وول ستريت: رحلة العبقري غير التقليدية
لا يمكن النظر إلى مسيرة “جيم سايمونز”،(Jim Simons). في عالم المال من زاوية نظر تقليدية. فبعد أن قضى سنوات طويلة كأستاذ مرموق للرياضيات في “جامعة ستوني بروك”، كمدرس للهندسة والتعرف على الأنماط. فضلا عن شغله منصب رئيس قسم الرياضيات بذات الجامعة. قبل أن يقرر ترك وظيفته الأكاديمية عام 1978.
ففي الوقت الذي كان فيه زملاؤه يظنون أن الأسواق المالية عشوائية وغير قابلة للتنبؤ، كان “سايمونز” يرى أن وراء تلك الفوضى الظاهرة تختبئ أنماط رياضية خفية ودقيقة تحكم تحركاته.
في عام 1982، أسس “سايمونز” شركة “رينيسانس تكنولوجيز” (Renaissance Technologies)، التي تعتبر شركة استثمار فريدة من نوعها.
لم يكن فريقه مكونا من الاقتصاديين أو المتداولين التقليديين. بل من علماء رياضيات، فيزياء، علم الفلك وهندسة التعمية (Cryptography). فضلا عن خبراء في فك الشفرات. كان هدفهم تطبيق أساليبهم العلمية على الأسواق المالية. وذلك باستخدام خوارزميات معقدة لتحليل كميات هائلة من البيانات وتحديد الأنماط التي لا يمكن للبشر رؤيتها. وذلك لفك شيفرة السوق.
صندوق “ميداليون”: أعظم آلة مالية في التاريخ
عام 1988، أطلقت الشركة صندوقها الأيقوني الشهير “ميداليون” (Medallion Fund). كان هذا الصندوق جوهر نجاح “سايمونز”، حيث حقق أداء استثنائيا خياليا لم يسبق له مثيل في التاريخ متجاوزا كل ما هو معروف. ليحقق الصندوق بين عامي 1988 و2018، متوسط عائد سنوي بلغ 66% قبل الرسوم و39% بعد الرسوم.
هاته الأرقام تفوق بكثير أداء أفضل المستثمرين التقليديين. على سبيل المثال، فإن استثمار 1000 دولار في الصندوق عند تأسيسه تحول إلى أكثر من 23 مليون دولار بحلول عام 2018.
ما يميز صندوق “ميداليون” هو اعتماده على التداول الكمي الخالص (quantitative trading)، حيث تتخذ الخوارزميات جميع قرارات البيع والشراء بناء على الأنماط المكتشفة، دون تدخل العواطف البشرية.
خوارزميات حاسوبية معقدة تقوم بتحليل كميات هائلة من البيانات، (البيغ داتا). لتحديد أنماط إحصائية دقيقة وتنفيذ الصفقات تلقائيا، متجنبة تماما لعنة العواطف البشرية من خوف وطمع.
هذا المنهج الميكانيكي كان السر وراء النجاح المستمر. متجاوزا بفضله الخوف أو الطمع الذي يسيطر على المستثمرين في أوقات الأزمات أو الارتفاعات الكبيرة في السوق.
ما وراء الخوارزميات: فلسفة النجاح الحقيقية
قد يظن البعض أن سر نجاح “سايمونز” يكمن في معادلاته الرياضية المعقدة فقط. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فالعبقرية الحقيقية تكمن في فهمه لطبيعة الأسواق. التي يرى أنها لا تتبع المنطق البحت، بل تحركها في الغالب العواطف البشرية. ليقوم ببناء نظام متحرر تماما من هذه العواطف. حيث استطاع التفوق على السوق بشكل منهجي. فسر نجاحه في بنائه نظاما يتجاهل “ضجيج” السوق العاطفي ويركز على “الإشارة” الرياضية الصافية.
ويعتبر “جيم سايمونز” واحدا من أغنى الأكاديميين في التاريخ، بثروة صافية تقدر بمليارات الدولارات. لكن إرثه الحقيقي لا يقتصر على ثروته، بل يمتد إلى إثباته أن العلوم الدقيقة يمكن أن تكون أداة قوية لتحقيق النجاح في أي مجال، حتى في أكثر المجالات عشوائية وظاهرية. فقصته تحمل دعوة للتفكير خارج الصندوق، والبحث عن الأنماط الخفية حيث يرى الآخرون الفوضى. مقدما دليلا عمليا على أن المنهجية العلمية والانضباط الفكري يمكنهما تحقيق المعجزات في أي مجال. محولا بذلك العلوم “غير العملية” مثل الفيزياء والرياضيات إلى أقوى أدوات لخلق الثروة في العصر الحديث.
نمط في بحر من الفوضى
قصة “جيم سايمونز” إثبات على قوة التفكير المختلف وتذكير بأن الأنماط الخفية تكمن في كل مكان. وأن أولئك الذين يمتلكون الأدوات الصحيحة لرؤيتها يمكنهم تغيير العالم. حيث قال: “إذا لم تستطع تحليل شيء ما كميا، فأنت لا تفهمه حق الفهم”. لقد فهم “سايمونز” السوق بشكل كمي، ولهذا السبب تفوق عليه.
