الجريدة العربية
أثارت موجة محاولات الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في الأيام الأخيرة مخاوف متزايدة داخل أوساط الجالية المغربية المقيمة في عدد من الدول الأوروبية، وسط تحذيرات من إمكانية استغلال هذه الأحداث من قبل الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة لتعزيز خطابها المناهض للهجرة، خاصة مع اقتراب عدد من الاستحقاقات الانتخابية في أوروبا.
ويرى العديد من أفراد الجالية أن الأزمة تتجاوز بعدها الأمني والإنساني، لتتحول إلى ورقة سياسية قد تستغلها بعض التيارات الشعبوية لإعادة طرح ملف الهجرة باعتباره أحد أهم محاور النقاش العام، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على أوضاع ملايين المهاجرين المقيمين بشكل قانوني داخل الدول الأوروبية، وفي مقدمتهم المغاربة.
تخوف من استثمار انتخابي للأزمة
وفي تصريحات نقلتها صحيفة هسبريس الفرنسية، اعتبر عدد من المغاربة المقيمين في إسبانيا وإيطاليا وهولندا أن التطورات الأخيرة في سبتة قد توفر مادة دعائية للأحزاب اليمينية، التي اعتادت، بحسبهم، توظيف الملفات المرتبطة بالهجرة لتعزيز حضورها الانتخابي واستقطاب الناخبين عبر خطاب يقوم على التشدد في مراقبة الحدود والحد من تدفقات المهاجرين.
وأوضح الأكاديمي المغربي المقيم في إسبانيا عبد الرفيع تاليدي أن الأحزاب اليمينية المتطرفة غالباً ما تستثمر مثل هذه الأحداث من أجل تعبئة قواعدها الانتخابية، مستفيدة من الانتشار الواسع للصور ومقاطع الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، وما تثيره من نقاشات داخل الرأي العام.
وأضاف أن هذه الأحزاب تلجأ إلى تضخيم الوقائع الفردية وربطها بملف الهجرة بشكل عام، بهدف ممارسة ضغط سياسي على الحكومات القائمة، معتبراً أن هذه الآلية أصبحت من السمات المتكررة للخطاب الشعبوي في عدد من الدول الأوروبية.
القضية لا تستهدف المغاربة وحدهم
ويرى طاليدي أن انعكاسات هذه الأزمة لا تقتصر على الجالية المغربية، بل تشمل مختلف الجاليات الأجنبية المقيمة في أوروبا، موضحاً أن الأحزاب المتشددة لا تميز في خطابها بين جنسية وأخرى، وإنما تقدم الهجرة بوصفها تحدياً أمنياً وسياسياً عاماً.
وأشار إلى أن تأثير مثل هذه الأحداث يظل مرتبطاً بالسياق السياسي الداخلي لكل دولة، وخاصة عندما تتزامن مع حملات انتخابية، رغم أن قضايا الاقتصاد والتضخم والقدرة الشرائية تعود في كثير من الأحيان لتتصدر أولويات الناخبين الأوروبيين.
إيطاليا: الاقتصاد يحتاج إلى المهاجرين
وفي إيطاليا، أكد الوسيط الثقافي ياسين بالقاسم أن ملف الهجرة أصبح بدوره موضوعاً للمزايدات السياسية بين مختلف التيارات، سواء اليمينية أو اليسارية، إلا أنه اعتبر أن تأثير الأحداث الأخيرة سيظل محدوداً بالنظر إلى الواقع الاقتصادي والديموغرافي الذي تعيشه عدة دول أوروبية.
وأوضح أن إيطاليا، شأنها شأن إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية، تواجه تحديات مرتبطة بشيخوخة السكان وتراجع معدلات الولادة، وهو ما يجعلها في حاجة مستمرة إلى اليد العاملة الأجنبية لتغطية الخصاص في العديد من القطاعات الاقتصادية.
وأشار إلى أن العمال المهاجرين يشكلون اليوم عنصراً أساسياً في قطاعات الزراعة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والفندقة، والمطاعم، وغيرها من المجالات التي تعاني صعوبات متزايدة في استقطاب اليد العاملة المحلية.
هولندا: مخاوف من تصاعد الخطاب الشعبوي
أما في هولندا، فيرى قاسم الشهبون، وهو أحد أفراد الجالية المغربية، أن بعض القوى اليمينية تحاول بالفعل استثمار ما جرى في سبتة لتعزيز المخاوف الشعبية المرتبطة بالهجرة، والدفع نحو تبني سياسات أكثر تشدداً في مراقبة الحدود.
ومع ذلك، يلفت إلى أن الحكومة الهولندية لم تصدر، حتى الآن، أي مواقف رسمية تستهدف المهاجرين على خلفية هذه التطورات، مشيراً إلى أن الأنظار تتجه حالياً نحو المشاورات الأوروبية المرتقبة، وما قد تسفر عنه من قرارات بشأن إدارة تدفقات الهجرة وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء.
بين المخاوف والواقع الأوروبي
وتعكس هذه المواقف حجم القلق الذي يسود أوساط الجالية المغربية في أوروبا، في ظل تنامي حضور الأحزاب اليمينية داخل عدد من البرلمانات والحكومات الأوروبية، واستمرار الهجرة في احتلال موقع متقدم ضمن القضايا الأكثر حساسية في النقاش السياسي الأوروبي.
ورغم اختلاف التقديرات بشأن التأثير الفعلي لأحداث سبتة على المشهد السياسي الأوروبي، فإن كثيراً من أبناء الجالية يجمعون على ضرورة الفصل بين الهجرة غير النظامية وبين أوضاع ملايين المهاجرين الذين يعيشون ويعملون بصورة قانونية، ويساهمون في اقتصادات البلدان التي يقيمون فيها.
وفي هذا السياق، يبرز تخوف متزايد من أن تؤدي أي قراءة سياسية متشددة للأحداث الأخيرة إلى تغذية الخطابات المعادية للأجانب، وتعزيز مظاهر التمييز والكراهية، بما قد ينعكس على اندماج الجاليات المهاجرة واستقرارها داخل المجتمعات الأوروبية.
ويؤكد عدد من الفاعلين داخل الجالية المغربية أن المرحلة المقبلة تستدعي خطاباً سياسياً وإعلامياً متوازناً، يراعي الأبعاد الإنسانية والأمنية في آن واحد، ويجنب تحويل الأزمات الظرفية إلى أدوات للاستقطاب الانتخابي أو إلى مبرر لتوسيع دائرة الشك تجاه المهاجرين المقيمين بصورة قانونية في أوروبا.
