الجريدة العربية
منذ سنوات، يواصل الإنتاج المغربي – وخاصة في المجال الزراعي – فرض حضوره في الأسواق الأوروبية. فالطماطم والحوامض وغيرها من الفواكه والخضر القادمة من حقول المملكة باتت منتجات أساسية في رفوف كبريات سلاسل التوزيع بفرنسا وإسبانيا وألمانيا. هذا الإقبال يعكس قدرة المغرب على التكيف مع متطلبات صارمة في الجودة والتتبع التي يفرضها المستهلك الأوروبي. لكن الحكاية لا تقتصر على الزراعة وحدها، إذ يظل قطاع النسيج والملابس ركيزة محورية في علاقات المملكة التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
في النصف الأول من سنة 2025، حقق المغرب صادرات من الملابس نحو الاتحاد الأوروبي بلغت 1,36 مليار يورو، ما يضمن له صدارة الممونين الأفارقة ويؤكد موقعه كثامن شريك عالمي في هذا المجال. غير أن هذه الدينامية، وإن أظهرت نموًا بنسبة 2,6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، تخفي مفارقة لافتة: حصة المغرب في السوق الأوروبية تراجعت من 3,4% إلى 3,1%. بكلمات أخرى، المغرب يبيع أكثر، لكن وزنه النسبي يتضاءل في مواجهة منافسين يحققون قفزات أسرع.
هذا التراجع النسبي يجد تفسيره في النمو الكبير الذي تعرفه واردات الملابس في أوروبا، حيث تواصل دول آسيوية مثل بنغلاديش وفيتنام الاستحواذ على حصص متزايدة بفضل تكاليف إنتاج منخفضة وسلاسل لوجستية ضخمة وفعالة. في المقابل، يراهن المغرب على قربه الجغرافي وسرعة التوريد، وهي أوراق رابحة في زمن تتحكم فيه موضة “الفاست فاشن” بدورات سريعة وتغييرات متلاحقة.
لكن بين الإيجابيات والتحديات، تبدو المعادلة دقيقة. فارتفاع قيمة الصادرات يقابله خطر فقدان المكانة في سباق محتدم حيث المنافسة شرسة والهامش ضيق. ويشبه الوضع فريقًا يسجل أهدافًا أكثر من قبل، لكنه يجد نفسه متراجعًا في الترتيب لأن خصومه يحرزون نقاطًا بوتيرة أسرع.
من هنا، يصبح رهان المغرب هو تثبيت مكاسبه وتعزيز قدرته التنافسية عبر التوجه نحو الجودة العالية والاستدامة البيئية، وهي شروط يبحث عنها بشكل متزايد الموزعون الأوروبيون. فالمستهلك هناك لم يعد يكتفي بالثمن المناسب، بل يطالب أيضًا بمنتجات تحترم البيئة وتنسجم مع المعايير الدولية. وإذا تمكنت المملكة من الجمع بين التكلفة المقبولة، القرب الجغرافي، والالتزام البيئي، فإنها ستظل لاعبًا رئيسيًا في ساحة أوروبية شديدة التغير.
