المغرب والفاتيكان: نصف قرن من الحوار والتفاهم في خدمة الأخوة الإنسانية

الجريدة العربية – ذ. يونس المشاوي

شهدت أكاديمية المملكة المغربية بالرباط يوم 23 يونيو الجاري حدثا ذا دلالة رمزية وحضارية عميقة، تمثل في استقبال وتنصيب نيافة الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، عضوا شرفيا بالأكاديمية. ويأتي هذا التنصيب في سياق الإحتفاء بخمسين سنة من العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين الكرسي الرسولي والمملكة المغربية، وهي علاقات لم تكن مجرد روابط دبلوماسية تقليدية، بل جسدت على مدى عقود نموذجا فريدا للحوار بين الأديان والثقافات، وخدمة لقيم السلام والتفاهم والتعايش بين الشعوب.

وقد اختار الكاردينال بارولين لخطاب التنصيب عنوانا بالغ الدلالة: «مؤمنون ومواطنون: نحو بناء مشترك للأخوة الإنسانية بعد خمسين عاما من العلاقات الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي والمملكة المغربية»، وهو عنوان يلخص في جوهره الرؤية التي تجمع المغرب والفاتيكان، والقائمة على الإيمان المشترك بكرامة الإنسان، وعلى ضرورة بناء جسور التلاقي بدل إقامة الحواجز بين الأمم والثقافات.

لقد استطاع المغرب، عبر تاريخه الطويل، أن يقدم للعالم نموذجا حضاريا متفردا في تدبير التعدد الديني والثقافي. فالمملكة المغربية لم تنظر إلى التنوع باعتباره مصدر تهديد للهوية، بل اعتبرته مصدر غنى وإثراء. ومن هذا المنطلق، رسخ المغرب عبر مؤسساته الدستورية وخياراته الاستراتيجية ثقافة الانفتاح والاعتراف بالآخر.
وفي هذا السياق، يكتسي الفصل 41 من الدستور المغربي أهمية خاصة، إذ ينص على أن جلالة الملك محمد السادس يحمل صفة أمير المؤمنين. ومن اللافت أن الدستور استعمل لفظ “المؤمنين” ولم يستعمل لفظ “المسلمين” فقط، وهو اختيار يحمل دلالة عميقة تعكس الرؤية المغربية الجامعة. فإمارة المؤمنين تمثل مؤسسة ضامنة للحرية الدينية ولحماية ممارسة الشعائر الدينية لجميع أتباع الديانات السماوية داخل المملكة، بما يعزز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مختلف المكونات الروحية للمجتمع المغربي.

ولعل هذا البعد الحضاري هو ما جعل المملكة المغربية تحظى بمكانة خاصة في العلاقات مع الفاتيكان. فقد شهد العالم يوم 19 أغسطس 1985 حدثا تاريخيا غير مسبوق، حين قام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة رسمية إلى المغرب بدعوة من المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني. وكانت تلك الزيارة الأولى من نوعها في التاريخ التي يقوم بها حبر أعظم للكنيسة الكاثوليكية إلى بلد ذي أغلبية مسلمة. وقد شكلت تلك الزيارة لحظة فارقة في مسار الحوار الإسلامي المسيحي، ورسالة قوية مفادها أن الإيمان بالله ينبغي أن يكون جسرا للتقارب لا سببا للتنافر.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، جدد المغرب التزامه بهذا النهج من خلال الزيارة الرسمية التي قام بها قداسة البابا فرنسيس يومي 30 و31 مارس 2019 بدعوة من جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، بصفته أميرا للمؤمنين. وقد شكلت تلك الزيارة محطة بارزة في تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، وأسفرت عن توقيع نداء القدس التاريخي، الذي أكد على ضرورة الحفاظ على الطابع الروحي والحضاري المتعدد للمدينة المقدسة، وعلى ضمان حرية الولوج إلى الأماكن المقدسة لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث.

إن العلاقات بين المملكة المغربية و الفاتيكان لا تقتصر على المبادرات الدبلوماسية والزيارات الرسمية، بل تجد تجلياتها أيضا في المعالم العمرانية والتاريخية التي تشهد على عمق ثقافة التسامح بالمغرب. ومن أبرز هذه الشواهد كنيسة سانت أندروز بمدينة طنجة، التي شيدت سنة 1880 على أرض تبرع بها السلطان المغربي المولى الحسن الأول، وتم تشييدها عمدا وفق طراز معماري مغربي يعكس روح التفاعل الثقافي والحضاري بين المكونات المختلفة للمجتمع.

كما تشكل كاتدرائية القديس بطرس بالرباط شاهدا آخر على هذا التعايش الفريد، إذ بنيت سنة 1919 على أرض تبرعت بها أسرة مغربية مسلمة، في صورة معبرة عن قيم التضامن والاحترام المتبادل بين أبناء الديانات المختلفة. وإلى اليوم، تتجاور المساجد والكنائس والمعابد اليهودية في العديد من المدن المغربية الكبرى، في مشهد حضاري يعكس قرونا من العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود.

ولا يمكن الحديث عن هذا النموذج المغربي دون التذكير بأن الهوية المغربية نفسها تشكلت عبر روافد متعددة ومتكاملة، كما نص على ذلك دستور المملكة. فهي هوية غنية بروافدها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، ومغتنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ولذلك فإن الانفتاح على الآخر ليس خيارا طارئا في المغرب، بل هو جزء أصيل من شخصيته الحضارية وتكوينه التاريخي.

وفي زمن تتصاعد فيه بعض الأصوات الداعية إلى الانغلاق ورفض الآخر بدعوى الدفاع عن الهوية، يقدم المغرب درسا بليغا مفاده أن الهوية الحقيقية لا تبنى بالخوف من الاختلاف، بل بالثقة في الذات والانفتاح الواعي على العالم. فالحضارات القوية ليست تلك التي تنغلق على نفسها، وإنما تلك القادرة على التفاعل الخلاق مع محيطها مع الحفاظ على خصوصيتها وثوابتها.

ومن هنا تكتسب مبادرة تنصيب نيافة الكاردينال بيترو بارولين عضوا شرفيا بأكاديمية المملكة المغربية بعدا يتجاوز الطابع البروتوكولي، لتصبح رسالة حضارية تؤكد أن الحوار بين الأديان والثقافات ليس ترفا فكرياً، بل ضرورة إنسانية في عالم يواجه تحديات التطرف والكراهية وسوء الفهم المتبادل.

لقد أثبت المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس أمير المؤمنين، أن التعايش ليس مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل هو ممارسة يومية وسياسة دولة ورؤية حضارية متكاملة. ولذلك يظل النموذج المغربي اليوم من أبرز النماذج العالمية في ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال والأخوة الإنسانية، وهي القيم ذاتها التي تجمع المملكة المغربية وحاضرة الفاتيكان، وتشكل أساسا متينا لمستقبل أكثر سلاما وعدلا وتضامنا بين شعوب العالم.
مشاوي يونس بتصرف

Exit mobile version