الجريدة العربية – محمد حميمداني
مباشرة بعد إعلانه قرار الاستقالة من مجلس النواب المغربي، عاد البرلماني “محمد التويمي بنجلون”، في وقت وجيز جدا، للإعلان عن التراجع عن القرار.
تقديم الاستقالة والتراجع عنها، لاحقا، يأتي في سياق منعطف دراماتيكي يعكس تعقيدات المشهد السياسي المغربي. خاصة وأنها ليست الأولى من نوعها في مسيرة هذا السياسي المخضرم. وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول خلفيات هاته الاستقالات المتكررة وأبعادها السياسية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا السلوك ليس الاول في مسيرة “التويمي” النيابية. فقد سبق له أن اتخذ نفس المسلك خلال مرحلتين نيابيتين أخريتين، وهو ما يرفع للواجهة سؤالا عن الدوافع والحيثيات ذات الصلة؟ وإن كان الامر يجسد موقفا، وفق إفادته. أم يتعلق بمناورة لاسترداد الثقة قبيل الانتخابات المقبلة.
وتعتبر الاستقالات البرلمانية والتراجع عنها ظاهرة في المشهد السياسي المغربي تستحق الدراسة. حيث تتحول من قرار شخصي إلى استراتيجية تواصلية تهدف لإعادة تشكيل التوازنات السياسية واختبار الأرضية الشعبية.
كما تجدر الإشارة ايضا، أن “التويمي” يعتبر من أقدم الوجوه البرلمانية عن “دائرة الفداء مرس السلطان”، ب”الدار البيضاء”. وقد عرف بتذبذب ولاءاته الحزبية. حيث انطلق فعله السياسي من بوابة “حزب جبهة القوى الديمقراطية”، من عام 2011 وإلى غاية 2015. لينتقل لاحقا ل”حزب التجمع الوطني للاحرار”، من عام 2016 وإلى غاية 2020. ف”حزب الأصالة والمعاصرة” ابتداء من عام 2021.
الظروف المحيطة بالاستقالة ومبررات “التويمي” المتذبذب المواقف
أثار قرار البرلماني “التويمي” تقديم استقالته من البرلمان جدلا واسعا ذا صلة بتناقض مواقفه السياسية. حيث ربطه البعض بما يشهده المغرب من حراك شبابي. ومسؤولية الحزب الذي ينتسب إليه ضمن التركيبة الحكومية القائمة بالمغرب.
وفي محاولة لتبرير قرار الاستقالة، وفق ما نقلته وسائل إعلام مغربية عنه. فقد حاول إلصاق القرار بما اسماه: “عدم إيجاد جواب واقعي لتنزيل التوجيهات الملكية”، وأيضا “احتراما للمسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل ساكنة “الفداء مرس السلطان”، وفق إفادته. فيما قرر الاستمرار في أداء مهامه داخل “حزب الأصالة والمعاصرة” ورئاسة مجلس “مقاطعة مرس السلطان”.
موقف مستغرب صدوره اعتبارا لكون “التويمي” جزء من تحالف قائم يدير شؤون الحكومة المغربية تنفيذيا وتشريعيا. وبالتالي فمحاولة التملص من هذا التاريخ هو “جعجعة طحين” لاسترداد من يمكن استرداده من تاريخ مسؤول عن الأزمات القائمة. خاصة وأن القرار جاء على بعد أشهر فقط من الانتخابات المغربية المقرر إجراؤها العام المقبل.
وفي محاولة من “الجريدة العربية” التحري بعمق في الملف، تم ربط الاتصال بالبرلماني “التويمي” إلا انه أغلق هاتفه بشكل كلي عقب قراريه المثيران للجدل.
تجدر الإشارة إلى أن الدائرة الانتخابية “الفداء-مرس السلطان” ب”الدار البيضاء” تعتبر معقلا تقليديا للحركات الاحتجاجية. لكونها منطقة حضرية تعاني من البطالة ونقص الخدمات. وبالتالي فالإعلان عن الاستقالة والتراجع عنها لاحقا يأتي في سياق سياسة تحاول الاقتراب من الاحتجاجات والتملص من التوجهات الحكومية التي يعبر “التويمي” جزءا من تركيبتها.
كل ذلك يتم في ظل تراجع مؤشر الثقة في البرلمان والتي وصلت وفق آخر استطلاع للرأي إلى 35%.
ظاهرة “التويمي” تعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية المغربية، حيث تتحول المناصب الانتخابية من وسيلة للخدمة إلى غاية في حد ذاتها، مما يستوجب مراجعة شاملة لآليات المساءلة والمحاسبة.
السياق القانوني المؤطر لتقديم الاستقالات من عضوية البرلمان
ينظم “الفصل 62 من الدستور المغربي” لعام 2011 شروط فقدان العضوية البرلمانية. فيما تحدد “المادة 44 من القانون التنظيمي 065.13″إجراءات تقديم الاستقالة وقبولها. وتنص “المادة 16 من النظام الداخلي لمجلس النواب” على: سقوط العضوية بقبول الاستقالة.
وعموما لا يمكن قراءة القيام بهاته الخطوة من قبل “التويمي” والتراجع عنها سريعا إلا في سياق محاولة التملص من الفشل الحكومي على الرغم من كونه جزء لا يتجزأ من الأغلبية الحاكمة بالمغرب. والهدف لخبطة ردود الفعل الشعبية والحزبية، مع محاولة إعادة رسم خريطة سياسية شخصية. وقد اعتبرها محللون انها لا تخرج عن قاعدة المناورة من اجل موقع أفضل في القوائم الانتخابية، مستغلا التوقيت الحساس الذي يشهده “المغرب” لحسابه الشخصي خلال الاستحقاقات النيابية المقبلة من خلال إعادة بناء صورته السياسية.
حسابات “التويمي” والصفعات الموجهة
مهما تكن الحسابات أو الخلفيات من وراء تقديم “التويمي” استقالته من البرلمان والتراجع عنها لاحقا. فقد أفرزت عدة تساؤلات مقلقة وسط الشارع المحلي والوطني. سيكون لها بالتاكيد تأثير على مصداقيته في “دائرة الفداء-مرس السلطان”. كما انها ستفرض على “حزب الأصالة والمعاصرة” إعادة تقييم مرشحيه. فضلا عن تعزيزها الشكوك حول جدية الإصلاح السياسي بالمغرب. لأنها أنزلت إلى أرض الواقع السياسي المغربي تساؤلات ذات صلة بطبيعة التمثيل السياسي، حدود المرونة في المواقف، مستقبل الثقة بين الناخبين والمنتخبين وآليات المحاسبة والمساءلة.
