القنيطرة: نقاش واسع حول مباراة توظيف أستاذ محاضر في التواصل والإعلام الرقمي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل

الجريدة العربية – مكتب الرباط

أثار الإعلان عن مباراة لتوظيف أستاذ محاضر بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، دورة 29 نونبر 2025، في تخصص “الإعلام والتواصل الرقمي وتعدد الوسائط”، نقاشًا أكاديميًا واسعًا داخل الأوساط الجامعية، وذلك عقب تداول معطيات تفيد بقبول مسارات أكاديمية يُثار بشأنها جدل حول مدى انسجامها، من حيث التكوين والبحث العلمي، مع طبيعة هذا التخصص الدقيق ومتطلباته المعرفية.

ولا ينصرف هذا الجدل إلى الأشخاص أو كفاءاتهم العلمية في مجالاتهم الأصلية، بقدر ما يلامس سؤالًا جوهريًا يتعلق بضبط مفهوم التخصص، وحدود التأويل الأكاديمي في مباريات التوظيف الجامعي، ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.

  1. تخصص مركب بمعايير علمية محددة

يُعد تخصص الإعلام والتواصل الرقمي وتعدد الوسائط من الحقول المعرفية المركبة التي تقوم على تداخل علوم الإعلام والاتصال مع التكنولوجيا الرقمية والبيئات التفاعلية، بما يشمل الصحافة الرقمية، الإعلام الجديد، التواصل المؤسساتي عبر المنصات الرقمية، السرد متعدد الوسائط، ديناميات التفاعل الرقمي، وتحليل البيانات والخطاب في الفضاءات الشبكية.

ولا يكتفي هذا التخصص بالإحالة اللفظية إلى مفاهيم مثل “الرقمي” أو “الوسائط”، بل يفترض تكوينًا منهجيًا متدرجًا، ومسارًا بحثيًا واضح المعالم، وإنتاجًا علميًا صريحًا يعالج قضايا الإعلام الرقمي من حيث البنية، والممارسة، والتحليل، والتأثير.

  1. مسارات أكاديمية مثار تساؤل

وفق معطيات متداولة داخل الوسط الجامعي، تم ضمن هذه المباراة قبول ثلاثة مترشحين تختلف خلفياتهم الأكاديمية اختلافًا بيّنًا؛ إذ يحمل الأول دكتوراه في “الأنثروبولوجيا الثقافية” حول صورة المقدس في الحكاية الأمازيغية بمنطقة حاحا، بينما يحمل الثاني دكتوراه في “الدراما والوسائط” تتمحور حول المسرح والسينما والتلفزيون، إلى جانب مسار أكاديمي متنوع يجمع بين الشريعة (الإجازة الأساسية) والاعلام (الإجازة المهنية) و الدراسات المسرحية (الماستر) . أما الثالث فيحمل دكتوراه في “التواصل والإعلام”، إلى جانب دبلوم الدراسات المعمقة في الفن والسينما.

ورغم القيمة العلمية لهذه التخصصات في مجالاتها الأصلية، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول مدى تقاطعها الفعلي مع تخصص موجَّه أساسًا إلى تدريس وتحليل الإعلام الرقمي والوسائط التفاعلية الحديثة.

  1. بين الوسائط التقليدية والمنظومات الرقمية

يشير مختصون إلى أن الخلط بين الوسائط التقليدية (كالمسرح، السينما، والتلفزيون) والوسائط الرقمية التفاعلية يُعد إشكالًا بيداغوجيًا ومنهجيًا، نظرًا لاختلاف منطق الإنتاج، والنشر، والتلقي، والتفاعل، وقياس الأثر، وتحليل البيانات.

فالإعلام الرقمي لا يُختزل في المحتوى المرئي أو السرد الفني، بل يقوم على بنى تقنية وتواصلية جديدة، وعلى فهم عميق لمنصات النشر، والخوارزميات، والتفاعل الشبكي، والاقتصاد الرقمي للإعلام، وهي عناصر لا تشكّل جوهر التكوين المسرحي أو الأنثروبولوجي الكلاسيكي.

  1. سؤال التناسب وتكافؤ الفرص

في العمق، لا يتعلق النقاش بالأفراد، بل بمبدأ التناسب بين التخصص موضوع المباراة والمسار الأكاديمي للمترشحين، وبمدى احترام تكافؤ الفرص بين من راكموا تكوينًا وبحثًا علميًا صريحًا في الإعلام الرقمي، ومن ينتمون إلى حقول معرفية مغايرة.

ويرى فاعلون جامعيون أن توسيع مفهوم التخصص دون ضوابط علمية دقيقة قد يُفرغ مباريات التوظيف من بعدها الأكاديمي، ويحوّلها من آلية لانتقاء الكفاءات المتخصصة إلى ممارسة تأويلية مرنة، تفتح الباب أمام الالتباس وتضعف الثقة في المساطر المعتمدة.

  1. الجامعة بين الشرعية العلمية وصورة المؤسسة

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد الجامعة مطالبة فقط بتوفير التأطير البيداغوجي، بل أصبحت مطالبة أيضًا بحماية شرعيتها العلمية وصورتها الاعتبارية. فالتوظيف في تخصصات دقيقة يفترض وضوحًا في المعايير، وشفافية في الاختيار، وانسجامًا بين توصيف المناصب والنتائج المعلنة.

إن الرهان اليوم لا يتعلق بمباراة معزولة، بل بمصداقية الجامعة العمومية، وقدرتها على مواكبة التحولات المعرفية دون التفريط في الصرامة الأكاديمية.

أسئلة مفتوحة

– ما المعايير العلمية المعتمدة لضبط مفهوم “الإعلام والتواصل الرقمي وتعدد الوسائط”؟
– هل تكفي الإحالة اللفظية إلى “الوسائط” لتبرير القبول في هذا التخصص الدقيق؟
– وكيف يمكن ضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين في مباريات تتطلب تكوينًا تخصصيًا عالي الدقة؟

أسئلة تبقى مفتوحة، في انتظار توضيحات مؤسساتية من شأنها إعادة الثقة في مساطر التوظيف الجامعي، والتأكيد على أن المعيار الأكاديمي يظل، ويجب أن يظل، فوق كل اعتبار.

Exit mobile version