الجريدة العربية – محمد حميمداني
قضت المحكمة الوطنية الإسبانية برفض طلب السلطات المغربية، الرامي إلى تسليم مواطن مغربي يقضي عقوبة حبسية ب”إسبانيا”. وذلك على خلفية تورطه في مأساة بحرية أودت بحياة 16 مهاجرا. مؤكدة على سمو الضمانات القانونية التي تمنع ازدواجية العقوبة عن الفعل الجرمي الواحد.
وأوضحت المحكمة أن المطلوب من طرف السلطات الأمنية المغربية. كان قد صدر في حقه حكم قضائي سابق في “إسبانيا” بالسجن لمدة تسع سنوات. على خلفية كارثة بحرية مروعة أودت بحياة 16 مهاجرا قضوا عطشا فوق قارب مطاطي.
وأضافت المحكمة أن المتهم كان قد أدين عام 2022 بتهمتي تسهيل الهجرة غير النظامية والقتل غير العمد. بعد مأساة وقعت في أكتوبر 2020، حين تاه قاربه المنطلق من مدينة “الداخلة” في عرض المحيط الأطلسي لمدة 14 يوما قبل وصوله إلى “جزر الكناري”. وهو ما نتج عنه وحدوث فيات في صفوف المهاجرين بسبب الجوع والعطش.
جاء قرار المحكمة كجواب على طلب رسمي تقدمت به السلطات القضائية المغربية استنادا إلى اتفاقية تسليم المجرمين المبرمة بين “الرباط” و”مدريد”.
تجدر الإشارة، أن “المغرب” و”إسبانيا” يرتبطان باتفاقية صدرت عكسها “الظهير الشريف رقم 1.98.152″، المؤرخ بتاريخ 13 ماي 1999. في شأن الاتفاقية الموقعة بمدريد في 30 ماي 1997 بين “المملكة المغربية” و”المملكة الإسبانية”، في مجال تسليم المجرمين.
يأتي هذا الموقف، على الرغم من وجود اتفاقية رسمية لتسليم المجرمين بين “الرباط” و”مدريد”، الموقعة عام 1997. إلا أن المحكمة استندت في رفضها لطلب “النيابة العامة المغربية” على مبدأ “Non bis in idem”، وهو مبدأ كوني يمنع محاكمة الشخص مرتين على نفس الفعل؛ حيث تبين أن التهم الموجهة إليه في المغرب، بناء على شكاية عائلة أحد الضحايا هي ذاتها التي أُدين بها في “إسبانيا”.
وشددت المحكمة على أن التسليم سيشكل خرقا للحقوق القانونية للمدان. لكونه يقضي حاليا عقوبته بالمؤسسات السجنية الإسبانية. على الرغم من اعترافها بأن الطلب المغربي قانوني ولا يحمل أية دوافع سياسية. مبرزة أن العائق تقني وقانوني بحت.
وعلى الرغم من اعتراف القضاء الإسباني بمشروعية الطلب المغربي، وخلوه من أي دوافع سياسية أو عنصرية. إلا أنه استند في رفضه على مبدأ قانوني جوهري يمنع محاكمة الشخص مرتين على الجريمة ذاتها. مبرزا أن التهم التي يتابع بها في المغرب، بناء على شكاية من عائلة أحد الضحايا، هي ذاتها التي استنفد فيها عقوبته أو يقضيها حاليا في السجون الإسبانية.
في ذات السياق، شددت المحكمة على أن تسليم المعني بالأمر سيشكل خرقا للضمانات القانونية التي تحمي المدانين من ازدواجية العقوبة عن نفس الفعل الإجرامي. مضيفة أن المحكوم عليه سيواصل قضاء مدة عقوبته داخل المؤسسات السجنية الإسبانية إلى حين انقضائها بشكل كامل.
يجسد هذا الملف “صداما” كلاسيكيا بين رغبة عائلات الضحايا في تحقيق العدالة وفق القانون الوطني. وبين صرامة القوانين الدولية التي تحمي المدانين من ازدواجية العقوبة. فالقضاء الإسباني هنا لم يبرئ “الربان”، بل أكد أن “العقوبة سارية” ولا يمكن تكرارها. المثير في الأمر أن الشكاية في المغرب حركتها عائلة أحد الضحايا. وهو ما يعكس حجم الألم الاجتماعي الذي خلفته “قوارب الموت” المنطلقة من سواحل الصحراء المغربية. فيما طبقت “مدريد” روح الاتفاقية؛ لأن التسليم يكون لمن أفلت من العقاب، وليس لمن يقبع فعليا خلف القضبان عن نفس الجرم.
