اتساق الخطاب السياسي بين خيار المشاركة والتشكيك في المخرجات الانتخابية

الجريدة العربية / ذ.الحسين ابرزاق

تثير العلاقة بين خيار المشاركة السياسية وخطاب التشكيك في العملية الانتخابية إشكالية تستحق التأمل، تتعلق بمدى اتساق المواقف السياسية عبر الزمن، وبثبات المعايير التي يُقاس بها نزاهة المسار الانتخابي، بعيدًا عن تأثير نتائج الاقتراع في تشكيل المواقف والخطابات.
فمنذ دخوله الحياة السياسية، اختار حزب العدالة والتنمية المشاركة في المؤسسات المنتخبة، رغم ما كان يعبّر عنه من ملاحظات وانتقادات تتعلق ببعض جوانب المنظومة الانتخابية. وقد تأسس هذا الخيار على قناعة مفادها أن الإصلاح يمكن أن يتحقق من داخل المؤسسات، في مقابل توجهات سياسية أخرى رأت أن المقاطعة هي الموقف الأكثر انسجامًا مع تقييمها لطبيعة النسق السياسي. وكلا الخيارين يظل اجتهادًا سياسيًا مشروعًا، يستحق الاحترام في إطار التعددية السياسية.


    وقد عكس المسار الانتخابي للحزب تطورًا لافتًا؛ إذ حصل على 9 مقاعد في أول مشاركة سنة 1997، ثم 42 مقعدًا سنة 2002، و46 مقعدًا سنة 2007، قبل أن يتصدر نتائج الانتخابات بـ107 مقاعد سنة 2011، ثم 125 مقعدًا سنة 2016، ليتراجع إلى 13 مقعدًا في انتخابات 2021.
    ولا يمكن قراءة انتخابات 2011 بمعزل عن سياقها الوطني والإقليمي، الذي اتسم بالحراك الذي عرفه المغرب في ظل موجة الربيع العربي، وما رافقه من إصلاحات دستورية وسياسية. وقد اعتبر كثير من الباحثين أن تلك المرحلة شكلت لحظة سياسية خاصة، غير أن تفسير نتائجها ظل محل تباين بين القراءات المختلفة، وهو ما يجعل أي تفسير أحادي للنتائج غير كافٍ من الناحية المنهجية.


   غير أن ما يستدعي الانتباه هو أن خطاب الحديث عن المال الانتخابي، واستعمال النفوذ، واختلال تكافؤ الفرص، والتأثير في الإرادة الانتخابية، برز بقوة عقب انتخابات 2021. وليس المقصود هنا نفي وجود هذه الظواهر أو إثباتها، فذلك من اختصاص المؤسسات المخول لها قانونًا البحث والتحقيق والفصل، وإنما المقصود هو مساءلة اتساق الخطاب السياسي.
    فإذا كانت هذه الاختلالات ذات أثر حاسم في نتائج انتخابات 2021، فإن السؤال المنهجي يظل مشروعًا: هل كانت انتخابات 2011 و2016 مختلفة جذريًا من حيث شروط التنافس ونزاهة العملية الانتخابية؟ أم أن الظواهر نفسها كانت قائمة، لكن لم تُمنح المكانة نفسها في الخطاب السياسي لأنها لم تؤثر في الموقع السياسي للحزب بالكيفية التي أثرت بها سنة 2021؟


   ومن زاوية أخرى، يفرض منطق الإصلاح من داخل المؤسسات سؤالًا لا يقل أهمية: إلى أي مدى نجحت تجربة الحزب، وهو الذي قاد الحكومة لعقد كامل، في الحد من مظاهر المال الانتخابي والريع والفساد، إذا كانت هذه المظاهر ما تزال تُقدَّم بوصفها عوامل حاسمة في تفسير النتائج الانتخابية؟ فنجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس فقط بشعاراته، وإنما أيضًا بقدرته على إحداث أثر ملموس في معالجة الاختلالات التي أعلن منذ البداية عزمه على مواجهتها.


إن جوهر الإشكال لا يتعلق بحزب بعينه، وإنما بمبدأ عام في التحليل السياسي، مفاده أن تقييم نزاهة الانتخابات ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية ثابتة، لا إلى نتائج الاقتراع أو الموقع الذي يحتله الفاعل السياسي بعدها. فالمواقف المبدئية تكتسب مشروعيتها من ثباتها واستقلالها عن منطق الربح والخسارة، أما الخطابات التي تتغير بتغير النتائج، فإنها تظل بحاجة إلى تفسير يبرز مدى اتساقها مع مواقفها السابقة.
   وعليه، فإن ترسيخ الثقة في المؤسسات الديمقراطية لا يتحقق فقط بتحسين القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، بل كذلك بترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الاتساق في الخطاب، والموضوعية في التقييم، واحترام المعايير نفسها في جميع الظروف، أساسًا للممارسة الديمقراطية الرشيدة.

Exit mobile version