الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *
السودان… أيها الجرح الذي ينزف دما وحزنا منذ عقود، أيها الوطن الذي علّم القارة السمراء معنى النيل والكرامة، يا أرض الشعراء الذين غنّوا للحرية، ويا موطن الثورات التي حلمت أن تكون جسراً نحو غدٍ أجمل. كيف تحوّل جسدك الطيب إلى مسرح لذئاب تتناحر على الذهب والدم؟ كيف صارت الخرطوم، قلبك النابض، مدينة ينهشها الرصاص، ويغتالها العطش والجوع، فيما أطفالك ينامون على الطين ويحلمون فقط بجرعة ماء أو رغيف خبز؟ أيها السودان الحبيب، نكتب عنك كما تُكتب المراثي، وكأننا ندفنك حيّا، بينما روحك تصرخ في وجه عالم أصمّ.
لكن الرثاء لم يعد يكفي، فالسودان لا يحتاج دموعاً من حبر، بل يحتاج صرخة كبرى تدين، تحاكم، وتفضح. لأن ما يحدث ليس نزاعاً داخلياً عابراً كما يحلو للبعض اختزاله، بل جريمة ضد الإنسانية كاملة الأركان. جنرالات جائعون للسلطة، ميليشيات وُلدت من رحم أنظمة عسكرية متعفنة، قوى إقليمية تتاجر بالدم، دول كبرى تغذّي الحرب لأجل المناجم والموانئ، وإعلام عالمي اختار العمى لأنه يعرف أن دم السوداني رخيص في سوق الأخبار.
أكثر من 150 ألف قتيل لم يهزوا ضمير أحد. ثلاثة عشر مليون نازح لم يغيّروا سوى صيغ بيانات دولية رسمية باردة. ألا يستحق خمسة وعشرون مليون جائع خبراً عاجلاً على الشاشات التي تذرف الدموع على أوكرانيا كل ساعة؟
دارفور تحوّلت إلى مقبرة جماعية جديدة، والخرطوم بدلت ثوبها إلى مدينة أشباح، حيث الموت ينتشر بالكوليرا والملاريا، بينما مجلس الأمن يكتفي بجلسات صماء، والأنظمة العربية لا تملك سوى “القلق”، والغرب لا يرى في الخراب سوى فرصة لتوسيع النفوذ على البحر الأحمر.
فلنسمّ الأشياء بأسمائها، أليس من اللازم أن نقول أن عبد الفتاح البرهان وحميدتي ليسا سوى وجهين لعملة واحدة، أبناء أوفياء لنظام البشير الذي هندس الخراب بمصانع الميليشيات. الجيش أنجب “الجنجويد”، ثم غيّر لهم الأسماء وصبغهم بالشرعية، وحين كبر الوحش افترس صاحبه. هذه ليست حرب “دفاع عن الوطن”، بل سوق علني لبيع الخرائط، وم جهة اليمين عبر الضفة الأخرى ، الإمارات تموّل، ومصر تراهن، أما روسيا الشيطانية ، فهي تبحث عن منفذ، و المجوس الدجال الإيراني يحضر للوليمة بثوب جديد، أما الغرب فهو يحسب الغنائم بدم بارد، في صمت مميت للعالم العربي الذي يتفرج في مبارة دموية يلقى فيها أبناء جلدته حتفهم بالقبائل و القرى و المدن .
فأي إنسانية هذه التي تصمت أمام اغتصاب النساء كسلاح حرب؟ أي قانون دولي يُترك جثة القانون الدولي متعفنة في شوارع الخرطوم؟ أي معنى للأمم المتحدة إذا كان “القلق” هو أقصى ما تستطيع تقديمه لشعب يتعرض لإبادة في وضح النهار؟
السودان ليس وحده من يدفع الثمن. فملايين اللاجئين يضغطون على مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان. بلدنا العربي الحبيب السودان ضحية تجارة السلاح والمخدرات، التي تزدهر على أنقاض القرى، حيث تحولت ضفاف البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ جديدة لجنرلات الخزي و العار ، حيث لا يهم موت السودانيين بقدر ما يهم من يسيطر على الموانئ.
الجريمة أوضح من أن تُخفى. لا أحد بريء، الجنرالات قتلة، الميليشيات سفّاحون، القوى الإقليمية تجار دم، الدول الكبرى متواطئة، الإعلام الغربي منافق، الأنظمة العربية خرساء مكبلة القلب و الروح و الجيب ، والإنسانية جمعاء ساكتة على مجزرة القرن.
يا سادة … السودان ليس خبراً عابراً، بل امتحانا أخلاقيا سقط فيه العالم كله. وإن مرّت هذه الجريمة كما مرّت رواندا من قبل، فإننا نوقّع جميعاً على شهادة وفاة الضمير البشري. الحكم صادر، والقضية محسومة، أنتم جميعاً قتلة السودان، ضميركم لا يحيى إلا حينما تمس الشقراوات و ذوات المقل الخضراء و الزرقاء ، و تموت حين تكون الضحية “سودان سوداء” يا للعار ….
“مهلاً! عند ربكم تختصمون” واعلموا أن الله لا يظلم أحدا .
